بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٧ - المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه
وقد صار عمل الخليفتين سنّة ، فمشى عثمان مشيهما ، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر : لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر. [١]
كما أنّ معاوية اتبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال : يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر. [٢]
حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة ، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه. [٣]
وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية ، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.
هذه هي بعض الأقاويل التي رواها أصحاب الصحاح والسنن ، وفي نفس الوقت نقلوا أحاديث تناقضها وتأمر بكتابة الحديث والسنّة كما ستوافيك.
العقل والمنع عن كتابة الحديثكيف يسمح العقل والمنطق أن يحكم بصحّة الأحاديث الناهية عن الكتابة ، مع أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أمر في أُخريات حياته أن يحضروا له قلماً ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً! وما كان المكتوب ( على فرض كتابته ) إلاّ حديثاً من أحاديثه ، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنّه قال : لمّا اشتدّ بالنبي وجعه قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ، قال عمر : إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال : « قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع » فخرج ابن عباس يقول : الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول اللّه وبين كتابه. [٤]
[١] كنز العمال : ج١٠ص٢٩٥ ، ح ٢٩٤٩٠.
[٢] كنز العمال : ج ١٠ص٢٩١ ، ح ٢٩٤٧٣.
[٣] فرقة السلفية ، ص ١٤ ، نقلاً عن مسند الإمام أحمد.
[٤] صحيح البخاري : ج ١ص٣٠ كتاب العلم ، باب كتابة العلم.