بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٩ - إطاعة السلطان بين الوجوب والحرمة
الناس ممّن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف» [١].
هل نسي أبو زهرة ( أو لعلّه تناسى ) قضية دير الجماجم حيث قام ابن الأشعث التابعي في وجه الحجّاج السفّاك بالموضع المعروف بدير الجماجم فكان بينهم نيف وثمانون وقعة تفانى فيها خلق وذلك في سنّة اثنتين وثمانين. [٢]
وعلى كلّ تقدير فقد اقتفى أثر أحمد بن حنبل جماعة من متكلّمي الأشاعرة وغيرهم وادّعوا بأنّ هذه عقيدة إسلامية كان الصحابة والتابعون يدينون بها وأنّه يجب الصبر على الطغاة الظلمة إذا تصدروا منصة الحكم ، نعم غاية ما يقولونه هو : إنّه لا تجب إطاعتهم إذا أمروا بالحرام والفساد جاعلين قولهم هذا منعطفهم الوحيد عن قول ابن حنبل وبقية أهل الحديث ، وإليك نبذة من أقوال القوم :
١ ـ قال الإمام الشيخ أبو جعفر الطحاوي الحنفي ( المتوفّى ٣٢١ ) في رسالته المسمّاة ب ـ « بيان السنّة والجماعة » المشهور ب ـ « العقيدة الطحاوية » : ونرى الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر من أهل القبلة ولا نرى السيف على أحد من أُمّة محمّد إلاّ على من وجب عليه السيف ( أي سفك الدم بالنصّ القاطع كالقاتل والزاني المحصن والمرتد ) ولا نرى الخروج على أئمّتنا ولا ولاة أمرنا وإن جاروا ، ولا ندعو على أحد منهم ولاننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعات اللّه عزّوجلّ فريضة علينا مالم يأمروا بمعصية. [٣]
٢ ـ قال الإمام الأشعري من جملة ما عليه أهل الحديث وإلسنّة : ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كلّ إمام برّ وفاجر ... إلى أن قال : ويرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح ، وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف ، وأن لا يقاتلوا في الفتن. [٤]
[١] مروج الذهب للمسعودي : ج٣ص ٦٩ ـ ٧٠.
[٢] نفس المصدر السابق : ج ٣ص١٣٢.
[٣] شرح العقيدة الطحاوية طبع دمشق : ص١١٠و ١١١.
[٤] مقالات الإسلاميين : ص ٣٢٣.