بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٤ - عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان
إنّ التحذير من التولي والفرار من الزحف ، والحث على الصمود أمام العدو ، لم يصدر من مصدر الوحي إلاّ بعد فرار مجموعة كبيرة من صحابة النبي في غزوة « أُحد » و « حنين ».
أمّا الأوّل : فيكفيك قول ابن هشام في تفسير الآيات النازلة في أُحد : قال : ثمّ أنّبهم على الفرار عن نبيهم وهم يدعون ، لا يعطفون عليه لدعائه إيّاهم فقال : ( إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلَى أحَد والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخراكُمْ ). [١]
وأمّا الثاني : فقد قال ابن هشام فيه أيضاً فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم من جفاة أهل مكة ، الهزيمة تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وصرخ جبلة ابن حنبل : ألا بطل السحر اليوم ... [٢]
أفبعد هذا يصحّ أن يعد جميع الصحابة بحجة أنّهم رأوا نور النبوة ، عدولاً أتقياء؟!
قال القرطبي في تفسيره : قد فر الناس يوم « أحد » وعفا اللّه عنهم ، وقال اللّه فيهم يوم حنين : « ثمّ ولّيتم مُدبرين » ثمّ ذكر فرار عدّة من أصحاب النبي من بعض السرايا. [٣]
هذا الإمام الواقدي يرسم لنا تولّي الصحابة منهزمين ويقول : فقالت أُمّ الحارث : فمر بي عمر بن الخطاب فقلت له : يا عمر ما هذا؟ فقال عمر : أمر اللّه. وجعلت أمّ الحارث تقول : يا رسول اللّه من جاوز بعيري فأقتله. [٤]
[١] سورة آل عمران : الاية ١٥٣.
[٢] سيره ابن هشام : ج٣ص١١٤ ، و ج٤ص٤٤٤ ، ولاحظ التفاسير.
[٣] تفسير القرطبي : ج ٧ص٣٨٣.
[٤] مغازي الواقدي : ج ٣ص٩٠٤. إنّ تعليل الفرار من الزحف بقضاء اللّه يشبه تعليل عبّادَالأوثان شركهم به كما في قوله سبحانه حاكياً عن المشركين : ( لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا ) ( الأنعام : الاية ١٤٨ ) وتلزم من ذلك تبرئة العصاة والكفّار ، لأنّ أعمالهم كلّها بقضاء منه.