بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣١ - نظرة في كتب أهل الحديث
« النقض » ، يقول فيه : « اتّفق المسلمون على أنّ اللّه تعالى فوق عرشه وسماواته ».
ولمّا كان الذهبي ، شديد الميل إلى الحنابلة ، كثير الازدراء بأهل التنزيه ، أخذته العصبية فحاول إصلاح عبارته ، فقال : أوضح شيء في هذا الباب قول اللّه عزّ وجلّ : ( الرَّحمن عَلى العَرْش اسْتَوى ) [١] فليُمَرْ كما جاء ، كما هو معلوم من مذهب السلف ، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال وتأويلات المعتزلة. [٢]
يلاحظ عليه : أنّ كتاب اللّه ليس كتاب لغز ، بل هو كتاب هداية ، فما معنى إثبات شيء للّه تعالى وإمراره عليه ، من دون التعرف على مفهومه ومعناه ، وما أحسن قول تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي ( ٧٢٨ ـ ٧٧٨ ) في طبقات الشافعية الكبرى في حقّه : « إنّ الذهبي غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه ، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه ، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات ، فإذا ترجم لواحد من أهل الإثبات ، يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في حقّه ، ويتغافل عن غلطاته ، ويتأوّل له ما أمكن; وأمّا إذا ترجم أحداً من الطرف الآخر ، كإمام الحرمين ، والغزالي ونحوهما ، لا يبالغ في وصفه ، ويكثر في قول من طعن فيه ، ويعيد ذلك ، ويبديه ، ويعتقده ديناً ، وهو لا يشعر ، ويعرض عن محاسنهم الطافحة ، فلا يستوعبها ، فإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها ، وكذلك فعله في أهل عصرنا ، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته : « واللّه يصلحه » ، وسببه المخالفة في العقائد. [٣]
٢ ـ خشيش بن أصرم ، مصنف كتاب « الاستقامة » يعرّفه الذهبي بأنّه يرد فيه على أهل البدع [٤] ، ويريد منه أهل التنزيه الذين لا يثبتون للّه سبحانه
[١] سورة طه : الآية ٥.
[٢] سير أعلام النبلاء : ج١٣ص٣٢٥.
[٣] طبقات الشافعية الكبرى : ج٢ص١٣.
[٤] تذكرة الحفاظ : ج ٢ص٥٥١.