بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٥ - في الرد على القدرية
٢٢ ـ ولقد علم العالمون باللّه أنّ اللّه لا يشاء أمراً فيحول مشيئته غيره دون بلاغ ما شاء ، ولقد شاء لقوم الهدى فلم يضلّهم أحد وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا. فقال لموسى وأخيه : ( اذْهَبا إِلى فِرْعَونَ إِنّهُ طَغى* فَقُولا لَهُ قَولاً لَيّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى ) [١] ، وموسى في سابق علمه أنّه يكون لفرعون عدواً وحزناً فقال : ( ونُرِيَ فِرعونَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُم ما كانُوا يَحْذَرُونَ ). [٢]
٢٣ ـ فتقولون أنتم : لو شاء فرعون كان لموسى ولياً وناصراً ، واللّه يقول : ( ِلَيكونَ لَهُمْ عَدُواً وحَزَناً ) [٣]. وقلتم : لو شاء فرعون لامتنع من الغرق واللّه يقول : ( إِنّهُمْ جُنْدٌ مُغرَقُونَ ) [٤]. فثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأوّلين ، كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه : ( إِنّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة ) [٥] فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلي بها ، وكما كان إبليس في سابق علمه أنّه سيكون ( مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) [٦] وصار إلى ذلك بما ابتلي به من السجود لآدم فأبى ، فتلقى آدم بالتوبة فرحم وتلقى إبليس باللعنة فغوى ، ثمّ أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه ، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مسخوطاً عليه.
٢٤ ـ وقلتم أنتم : إنّ إبليس وأولياءه من الجنّ قد كانوا ملكوا ردّ علم اللّه والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال : ( فَالحَقُّ وَالحَقَّ أقُولُ* لأَمْْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وممّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) [٧] حتّى لا ينفذ له علم إلاّ بعد مشيئتهم.
[١] سورة طه : الاية ٤٣ ـ ٤٤.
[٢] سورة القصص : الاية ٦.
[٣] سورة القصص : الاية ٨.
[٤] سورة الدخان : الاية ٢٤.
[٥] سورة البقرة : الاية ٣٠.
[٦] سورة الإسراء : الاية ١٨.
[٧] سورة ص : الاية ٨٤ ـ ٨٥.