بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٧ - إطاعة السلطان بين الوجوب والحرمة
ممّا لفّقه رواة السوء والجور بإيعاز من السلطات الحاكمة في تلك العصور المظلمة ، فنسبوه إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ـ روحي فداه ـ منها براء لمعارضتها الصريحة لمبادئ الكتاب والسنّة الصحيحة.
ولو لم يكن في المقام إلاّ قول علي عليهالسلام في خطبته : « ... وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ... » [١] لكفى في وهن تلك الروايات المفتعلة على لسان النبي صلىاللهعليهوآله .
* * *
وفي ختام الكلام نلفت نظر القارئ الكريم إلى ما قاله الإمام أبو الشهداء الحسين بن علي عليهماالسلام لأهل الكوفة حيث خطب أصحابه وأصحاب الحرّ ( قائد جيش عبيد اللّه بن زياد آنذاك ) فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : « أيّها الناس إنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : من رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه ، مخالفاً لسنّة رسول اللّه ، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقّاً على اللّه أن يدخله مدخله ، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ من غيّر ». [٢]
وهذه النصوص الرائعة المؤيّدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُمّية وبني العباس ، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت على ظلم الظالمين لكون ذلك من عقيدتهم الإسلامية ما هو إلاّ بعض مفتعلات أصحاب العروش وقد وضعها وعّاظهم ومرتزقتهم ، وإلاّفالطيّبون من الصحابة والتابعين بريئون من هذه النسبة.
[١] نهج البلاغة : الخطبة ٣.
[٢] تاريخ الطبري : ج٤ حوادث سنة ٦١ ص ٣٠٤.