بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٩ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
وقد صارت مكافحة هذا الاتجاه الظاهر عن معبد الجهني وغيلان الدمشقي ومحاربته سبباً لظهور المفوّضة الذين كانوا يعتقدون بتفويض الأُمور إلى العباد وأنّه ليس للّه سبحانه أي صنع في أفعالهم ، فجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله ، مستغنياً عن اللّه سبحانه فصار كالإله في مجال الأفعال كما كان القضاء والقدر حاكماً على كلّ شيء ولا يمكن تغييره بأي صورة أُخرى من الصور. فالطرفان يحيدان عن جادة التوحيد ويميلان إلى جانبي الإفراط والتفريط في الخلق وسيوافيك تفصيل القول في محله.
الاحتجاج بالقدرإنّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية من شأنه أن يجعل الإنسان مسلوب الاختيار ، مسيراً في حياته غير مختار في أفعاله فعند ذلك يصحّ للعبد أن يحتجّ على المولى في عصيانه ومخالفته.
ومن العجيب انّه جاء في الصحيحين حديث عن أبي هريرة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : « احتجّ آدم وموسى فقال موسى : يا آدم أنت أبوالبشر الذي خلقك اللّه بيده ، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته ، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ » فقال له آدم : أنت موسى الذي كلّمك اللّه تكليماً وكتب لك التوراة فبكم تجد فيها مكتوباً « وعصى آدم ربّه فغوى » قبل أن أخلق؟ قال : بأربعين سنة قال فحج آدم موسى ». [١]
وقد اضطرب القائلون بالقدر ومالوا يميناً وشمالاً في تفسير هذا الحديث وأمثاله إذ لو صحّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية لكان باب العذر للعبد مفتوحاً على مصراعيه.
والعجب من ابن تيمية حيث فسر الحديث في رسالة أسماها
[١] جامع الأُصول : ج١٠ص ٥٢٣ ـ ٥٢٥; صحيح البخاري : ج ٤ص ١٥٨ و ج٦ص ٩٦ و ج٨ص ١٢٦ و ج٩ص١٤٨.