بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٣ - في الرد على القدرية
الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِه ) [١] أو أن يشرك في خلقه أحداً ، أو أن يدخل في رحمته من قد أخرجه منها ، أو أن يخرج منها من قد أدخله فيها. ولقد أعظم باللّه الجهل من زعم أنّ العلم كان بعد الخلق ، بل لم يزل اللّه وحده بكلّ شيء عليماً وعلى كلّ شيء شهيداً قبل أن يخلق شيئاً ، وبعد ما خلق لم ينقص علمه في بدئهم ولم يزد بعد أعمالهم ، ولا تغير بالجوائح التي قطع بها دابر ظلمهم ، ولم يملك إبليس هدى نفسه ولا ضلالة غيره.وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم اللّه في خلقه وإهمال عبادته ، وكتاب اللّه قائم بنقض بدعتكم وإفراط قذفكم. ولقد علمتم أنّ اللّه بعث رسوله والناس يومئذ أهل الشرك ، فمن أراد اللّه له الهدى لم تحل ضلالته الّتي كان فيها دون إرادة اللّه له ، ومن لم يرد اللّه له الهدى تركه في الكفر ضالاً فكانت ضلالته أولى به من هداه.
١٤ ـ فزعمتم أنّ اللّه أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية ، فعملتم بقدرتكم بطاعته وتركتم بقدرتكم معصيته ، وإنّ اللّه خلو من أن يكون يختص أحداً برحمته أو يحجز أحداً عن معصيته.
١٥ ـ وزعمتم أنّ الشيء الذي يقدر إنّما هو عندكم اليسر والرخاء والنعمة وأخرجتم منه الأعمال.
١٦ ـ وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّه ضلالة أو هدى أو أنّكم الذين هديتم أنفسكم من دون اللّه ، وأنّكم الذين حجزتموها عن المعصية بغير قوة من اللّه ولا إذن منه.
١٧ ـ فمن زعم ذلك فقد غلا في القول ، لأنّه لو كان شيء لم يسبق في علم اللّه وقدره لكان للّه في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون اللّه واللّه يقول : ( حَبَِّّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم ) [٢] وهم له قبل ذلك كارهون ( وكرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ ) [٣] وهم له قبل ذلك محبون وما كانوا على شيء من ذلك لأنفسهم بقادرين. ثمّ أخبرنا بما سبق لمحمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم
[١] سورة فصلت : الاية ٤٢.
[٢] و [٣] سورة الحجرات : الاية ٧.