بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٦ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
وما تَشاءُونَ إلاّ أن يَشاءَ اللّهُ إنّ اللّهَ كانَ علِيماً حكِيماً ). [١]
٤ ـ قال سبحانه : ( كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرةَ* كَلاّ إنّهُ تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ* وما يَذْكُرُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وإهْلُ المَغْفِرَةِ ). [٢]
وجه الدلالة في الآيات الثلاث واحدة ومفعول الفعل « وما تشاءون » في الآية الأُولى هو الاستقامة. معناه وما تشاءون الاستقامة على الحقّ إلاّ أن يشاء اللّه ذلك ، كما أنّ المفعول في الآية الثانية عبارة عن اتّخاذ الطريق والمعنى وما تشاءون اتّخاذ الطريق إلى مرضاة اللّه تعالى إلاّأن يشاء اللّه تعالى ، كما أنّ المفعول للفعل ، « وما يذكرون » في الآية الثالثة هو القرآن ، أي وما يذكرون القرآن ولا يتذكّرون به إلاّ أن يشاء اللّه.
إذا عرفت ذلك ففي الآيات الثلاث الأخيرة احتمالان :
الأوّل : المراد أنّكم « لا تشاءون الاستقامة أو اتّخاذ الطريق أو التذكّر بالقرآن إلاّ أن يشاء اللّه أن يجبركم عليه ويلجئكم إليه ، ولكنّه لا يفعل ، لأنّه يريد منكم أن تؤمنوا اختياراً لتستحقوا الثواب ، ولا يريد أن يحملكم عليه » واختاره أبو مسلم كما نقله عنه « الطبرسي » وحاصله : وما تشاءون واحداً من هذه الأُمور إلاّأن يشاء اللّه إجباركم وإلجاءكم إليه ، فحينئذ تشاءون ولا ينفعكم ذلك ، والتكليف زائل ، ولم يشأ اللّه هذه المشيئة ، بل شاء أن تختاروا الإيمان لتستحقوا الثواب. [٣]
وعلى هذا فالآيات خارجة عمّا نحن فيه ، أعني : كون أفعال البشر على وجه الإطلاق ـ اختيارية كانت أو جبرية ـ متعلّقة لمشيئته سبحانه.
الثاني : إنّ الآية بصدد بيان أنّ كلّ فعل من أفعال البشر ومنها الاستقامة واتخاذ الطريق والتذكّر لا تتحقّق إلاّ بعد تعلق مشيئته سبحانه بصدورها غير أنّ
[١] سورة الإنسان : الاية ٢٩ ـ ٣٠.
[٢] سورة المدثر : الاية ٥٣ ـ ٥٦.
[٣] مجمع البيان : ج ٥ص ٣٩ و ٤١٣ و ٤٤٦.