بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٦ - في الرد على القدرية
٢٥ ـ فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في ردّ علم اللّه؟ فإنّ اللّه جلّوعلا لم يشهدكم خلق أنفسكم ، وكيف يحيط جهلكم بعلمه؟ وعلم اللّه ليس بمقصر عن شيء هو كائن ، ولا يسبق علمه في شيء فيقدر أحد على ردّه. ولو كنتم تنتقلون في كلّ ساعة من شيء إلى شيء هو كائن ، لكانت مواقعكم عنده. ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم ما هو كائن من العباد في الأرض ( من الفساد ) وسفك الدماء فيها ، وما كان لهم في الغيب من علم ، فكان في علم اللّه الفساد وسفك الدماء ، وما قالوه تخرصاً إلاّ بتعليم العليم الحكيم لهم فظن ذلك منهم ، وأنطقهم به.
٢٦ ـ فأنكرتم أنّ اللّه أزاغ قوماً قبل أن يزيغوا وأضلّ قوماً قبل أن يضلّوا.
٢٧ ـ وهذا ممّا لا يشك فيه المؤمنون باللّه : إنّ اللّه قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم وبرهم من فاجرهم. وكيف يستطيع عبد هو عند اللّه مؤمن أن يكون كافراً أو هو عند اللّه كافر أن يكون مؤمناً؟ واللّه يقول : ( أو َ مَنْ كانَ مَيْتاً فأحْيَيناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِج مِنْها ) [١]. فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلاّ بإذن اللّه.
٢٨ ـ ثمّ آخرون « اتّخذوا » من بعد الهدى ( عِجْلاً جَسَداً ) [٢] فضلّوا به ، فعفا عنهم لعلّهم يشكرون ، فصاروا ( مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ) [٣] وصاروا إلى ما سبق لهم. ثمّ ضلّت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا ، فصاروا في علمه إلى ( صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هُمْ خامِدُونَ ) [٤] ، فنفذوا إلى ما سبق لهم ، لأنّ صالحاً رسولهم وأنّ الناقة ( فِتْنَةً لَهُمْ ) [٥] وأنّه مميتهم كفّاراً ، فعقروها.
[١] سورة لأنعام : الاية ١٢٢.
[٢] سورة الأعراف : الاية ١٤٨.
[٣] سورة الأعراف : الاية ١٥٩.
[٤] سورة يس : الاية ٢٩.
[٥] سورة القمر : الاية ٢٧.