بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٢ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
وعلى ذلك فيجب تفسير الشر بشكل يناسب مقام الرب كالجدب وإلمرض والفقر والخوف. وإطلاق الشر عليها نوع مجاز وتأويل.
محاولة للجمع بين القدر وصحّة التكليفإنّ بعض المتحذلقين في العصر الحاضر لمّا رأى أنّ القدر بالمعنى الذي تفيده ظواهر الروايات لا يجتمع مع الاختيار والحرية ويناقض صحّة التكليف ، صار بصدد الجمع بينهما فقال : « إنّ للقدر أربع مراتب :
المرتبة الأُولى : العلم : علمه الأزلي الأبدي ، فلا يتجدّد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم.
المرتبة الثانية : الكتاب : فنؤمن بأنّ اللّه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة ، قال سبحانه : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالأَرضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتاب انَّ ذلكَ على اللّهِ يَسِير ). [١]
المرتبة الثالثة : المشيئة : فنؤمن بأنّ اللّه تعالى قد شاء كلّ ما في السماوات والأرض لا يكون شيء إلاّبمشيئته ، ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن.
المرتبة الرابعة : الخلق : فنؤمن بأنّ ( اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء وهوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيل* لَهُ مقالِيدُ السّماواتِ والأرض ) [٢] ».
وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من اللّه نفسه ولما يكون من العباد. فكلّ ما يقوم به العباد من أقوال أو أفعال أو تروك ، فهي معلومة للّه تعالى مكتوبة عنده واللّه قد شاءها وخلقها. ثمّ يقول : ولكنّنا مع ذلك نؤمن بأنّ اللّه تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرة ، بهما يكون الفعل ، والدليل على أنّ فعل العبد باختياره وقدرته أُمور. ثمّ استدل ب آيات تثبت للعبد إتياناً بمشيئته وإعداداً بإرادته مثل قوله سبحانه : ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُم ) [٣] وقوله : ( وَلَو
[١] سورة الحج : الاية ٧٠.
[٢] سورة الزمر : الاية ٦٢ ـ ٦٣.
[٣] سورة البقرة : الاية ٢٢٣.