بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٣ - نظرة في كتب أهل الحديث
وعلى هذه الأحاديث نسجت عقيدة أهل الحديث والسلفية ، وقال ابن تيمية محيي طريقتهم في القرن الثامن بعد اندراسها :
إنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه ، علي على خلقه. [١]
إنّ هذه الروايات ونظائرها التي اكتفينا بالقليل منها أوجدت حجاباً غليظاً أمام الحقائق ، فلم يقدر أحد حتى المتحرّرون من أهل السنّة كالشيخ محمّد عبده وأتباع منهجه وتلامذة مدرسته على رفض تلك النصوص المخالفة للعقل الذي به عرف سبحانه وصدق نبيّه وإعجاز كتابه. حتى التجأ الإمام أحمد ـ لأجل هذه الأحاديث ـ إلى تأويل الآيات الدالّة على كونه سبحانه محيطاً بالعالم كلّه ، أعني قوله سبحانه : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) [٢] وقال : إنّ المراد هو إحاطة علمه سبحانه لا معيته وجوداً. [٣]
نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا
لم يقتنع أصحاب الحديث بما وصفوا به سبحانه من نسبة التحيز والمكان إليه حتى أثبتوا له الهبوط إلى السماء الدنيا. روى أبو هريرة أنّ رسول اللّه قال : « ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول : من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟ ». [٤]
بل لم يقتنعوا بهذا وأثبتوا له الضحك. وهذا البخاري روى في حديث : فلمّا أصبح غدا إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : ضحك اللّه الليلة أو عجب من فعالكما. [٥]
[١] مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية ، والعقيدة الواسطية ص ٤٠١.
[٢] سورة الحديد : الآية ٤.
[٣] السنّة : ص ٣٦ طبع القاهرة.
[٤] صحيح البخاري : ج٢ص٥٣ باب « الدعاء والصلاة من آخر الليل ».
[٥] صحيح البخاري : ج ٥ ص ٣٤ باب ( وَيؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) من كتاب مناقب الأنصار.