بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧١ - المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه
بالنسبة إلى رسول اللّه كما قال هو نفسه : « إنّي كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا سكتُّ ابتدأني » [١]. وهو أوّل من ألّف أحاديث رسول اللّه وكتب ، وهذه منقبة عالية لأمير المؤمنين دون غيره ، إلاّ أقلّ القليل. فاهتم مخالفوه بإخفاء هذه الفضيلة ، باختلاق حديث منع الكتابة ، فروى مسلم وغيره عنه صلىاللهعليهوآله : « لا تكتبوا عنّي سوى القرآن ، ومن كتب فليمحه » [٢] وكانت الغاية من تلك المقالة ، الطمس على ما كتبه علي عليهالسلام من الأحاديث.
على أنّهم لم يكتفوا بذلك ، فرووا عن علي أنّه قال : « ليس عندنا كتاب سوى ما في قراب السيف ». [٣]
وروى البخاري عن أبي جحيفة ، قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب؟ قال : لا ، إلاّ كتاب اللّه ، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر. [٤]
مع أنّ الكتاب الذي كتبه علي بإملاء رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، كتاب كبير رآه أئمة الشيعة ، وهو من مواريث النبوة وكان مشتملاً على أحاديث فقهية ، وغيرها. وقد نقل عنه مشايخنا المحدّثون الأُول في جوامعهم ، ولو صحّ وجود كتاب في قراب سيفه ، فهو لا يمت إلى هذا الكتاب بصلة.
وقد قام زميلنا العلاّمة الحجّة الشيخ علي الأحمدي ، بجمع ما روى الأئمّة عن هذا الكتاب من الأحاديث في موسوعته ، وأخرجها من الكتب الأربعة ، والجامع الأخير وسائل الشيعة. [٥]
إنّ الخسارات التي مني الإسلام والمسلمون بها من جراء مثل هذا المنع ،
[١] تاريخ الخلفاء : ص ١١٥.
[٢] سنن الدارمي : ج ١ص١١٩.
[٣] مسند أحمد : ج ١ص١١٩.
[٤] صحيح البخاري : ج ١ص ٢٩ ، باب كتابة العلم ، الحديث١.
[٥] لاحظ مكاتيب الرسول : ج١ص٧٢ ـ ٨٩.