بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٩ - المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه
عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم [١] فلم يكتب الحديث ولم يدوّن إلاّ في عهد المنصور عام ١٤٣ كما سيوافيك بيانه.
وقد بلغت جسارة قريش على ساحة النبي الأقدس أن منعوا عبد اللّه بن عمرو عن الاهتمام بحديث النبي وكتابته مدّعين بأنّه بشر يغضب [٢]. أي واللّه إنّه بشر يرضى ويغضب ، ولكن لا يرضى ولا يغضب إلاّ من حقّ ولا يصدر إلاّ عنه.
إنّ الرزية الكبرى هي أن يمنع التحدّث بحديث رسوله وكتابته وتدوينه ويحل محله التحدّث عن العهد القديم والجديد وعن الأحاديث الإسرائيلية والمسيحية والمجوسية [٣] فتمتلئ الأذهان والصدور بالقصص الخرافية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا يصدقها العقل والمنطق كما سيمر عليك شرح تلك الفاجعة العظمى التي ألمت بالإسلام والمسلمين.
فلو صحّ ما نقل عن أبي هريرة من جمع ما كتبه الصحابة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في مكان واحد وحرقه بالنار ، لوجب على المسلمين كافة أن يجمعوا كلّ مصادر أحاديث الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم وحرقها في مكان واحد وذلك اقتداء بالسلف الصالح!! ، وإذا صحّ فهل يبقى من الإسلام ما يرجع إليه في فهم القرآن الكريم وتمييز الحلال عن الحرام؟!
والذي أظنّه ( وظن الألمعي صواب ) أنّ الذي منع من تدوين الحديث ونشره ومدارسته وكتابته بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، هو الذي منع كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ،
[١] مستدرك الحاكم : ج١ص ١٠٢و ١٠٤.
[٢] المصدر نفسه.
[٣] وقد أذن عمر بن الخطاب لتميم الداري النصراني الذي استسلم عام ٩ من الهجرة أن يقص كما في كنز العمال : ١/٢٨١ ، فالتحدّث بحديث رسول اللّه يكون ممنوعاً و « الداري » وأمثاله يكونون أحراراً في بث الأساطير والقصص المحرّفة؟!