بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢ - الاتجاهات الحزبيةُ والتعصّبات القبلية
والأوثان ، فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به ، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة ، فرزقكم اللّه الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشدّ الناس على عدّوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم ، حتى استقامت العرب لأمر اللّه طوعاً وكرهاً ـ إلى أن قال ـ : استبدوا بهذا الأمر دون الناس. فأجابوه بأجمعهم : أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت ، نولّيك هذا الأمر فإنّك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى. [١]
هذا منطق الأنصار ورئيس جبهتهم ترى أنّه يجر النار إلى قرصه وحزبه بحجّة أنّهم آمنوا بمحمّد صلىاللهعليهوآله ونصروه وآووه ، إلى غير ذلك من الحجج التي ذكرها سعد بن عبادة ، رئيس الخزرج في جبهة الأنصار.
ومن جهة ثالثة نرى بعض المهاجرين الذين اطّلعوا على اجتماع الأنصار في السقيفة ، يتركون تجهيز النبي صلىاللهعليهوآله ومواراته ويسرعون إلى السقيفة ويحضرون في جمعهم ويناشدونهم ويعارضون منطقهم بقولهم : إنّ المهاجرين أوّل من عبد اللّه في الأرض وآمن باللّه وبرسوله ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم في ذلك إلاّظالم ـ إلى أن قال ـ : من ذا ينازعهم في سلطان محمّد صلىاللهعليهوآله وإمارته وهم أولياؤه وعشيرته ، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة. [٢]
وهذا منطق بعض المهاجرين لا يقصر في الصلابة أو الوهن عن منطق الأنصار ، والكلّ يدّعي أنّ الحقّ له ولحزبه ، من دون أن يتفكّروا في مصالح الإسلام والمسلمين ، ومن دون أن يتفكّروا في اللياقة والكفاءة في القائد ، ومن دون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنّة وإحراز المعايير التي يجب وجودها في القائد ، فيشبه منطق هؤلاء منطق المرشحين من سرد الثناء على أنفسهم وحزبهم لرئاسة الجمهورية أو عضوية المجلس الوطني.
[١] تاريخ الطبري : ج ٢ حوادث سنة ١١ ص ٤٥٦.
[٢] تاريخ الطبري : ج ٢ حوادث سنة ١١ ص ٤٥٧.