بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٩ - عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان
وهو ابن عمّ سعد ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين.فثار الحيّان : الأوس والخزرج ، حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر ، فلم يزل رسول اللّه يخفضهم حتى سكتوا وسكت. [١]
اقرأ فاقض ، فإنّ هؤلاء يتّهم بعضهم بعضاً بالكذب والنفاق ، ونحن نعتبرهم عدولاً صلحاء ، والإنسان على نفسه بصيرة.
٢ ـ إنّ الحروب الدائرة بين الصحابة أنفسهم والثورة التي أقامها أصحاب النبي ومن اتّبعهم على عثمان بن عفان حتى جرّت إلى قتله ، أفضل دليل على أنّه لا يصحّ تعريف الصحابة وتوصيفهم بالعدالة والتقوى ، إذ كيف يصحّ أن يكون القاتل والمقتول كلاهما على الحقّ والعدالة؟!
وهذا هو طلحة وهذا الزبير قد جهّزا جيشاً جراراً لحرب الإمام علي عليهالسلام وأعانتهما أمّ المؤمنين فقتلت جماعة كثيرة بين ذلك ، فهل يمكن تعديل كلّ هذه الجماعة حتّى الباغين على الإمام المفترض الطاعة بالنصّ أوّلاً ، وببيعة المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثانياً؟!
وهذا معاوية بن أبي سفيان يعدّ من الصحابة وقد صنع بالإسلام والمسلمين ما قد صنع ممّا هو مشهور في التاريخ ، ومن ذلك أنّه حارب الإمام عليّاً عليه الصلاة والسلام في حرب صفين ، وكان علي مع كلّ من بقي من البدريين وهم قريب من مائة شخص ، فهل من حارب هؤلاء الصحابة جميعاً بما فيهم سيد الصحابة علي عليهالسلام يعدّ من أهل الفضل والصلاح والعدالة؟! فاقض ما أنت قاض.
لقد نقل صاحب المنار : أنّه قال أحد علماء الألمان في « الآستانة » لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة : إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية ابن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا « برلين ». قيل له : لماذا؟! قال :
[١] صحيح البخاري : ج ٥ص ١١٨ ـ ١١٩ في تفسير سورة النور.