بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٢ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
وفي ظل هذا الإصرار على القضاء والقدر بهذا المعنى نسجت أحاديث لا تفارق الجبر قيد شعرة. وإليك أمثلة منها :
١ ـ روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب ، عن عبد اللّه قال : حدّثنا رسول اللّه وهو الصادق أنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً ، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها; وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها. [١]
٢ ـ وروى عنه أيضاً حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول : يا ربّ أشقي أو سعيد؟ فيكتبان ، فيقول : أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان ، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ، ثمّ تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص. [٢]
٣ ـ قال : جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال : « يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم ، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال : لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، قال : ففيم العمل؟ قال : اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له وكل عامل بعمله ». [٣]
فبناء على الحديث الأوّل لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما
[١] صحيح مسلم : ج ٨ص ٤٤ كتاب القدر.
[٢] صحيح مسلم : ج ٨ص ٤٥ كتاب القدر.
[٣] جامع الأُصول : ج١ص ٥١٦ صحيح مسلم : ج ٨ص ٤٨.