بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٣ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
أَرادُوا الخُرُوجَ لأَعدّوا لَهُ عُدَّة ) [١] [٢].
انظر إلى التناقض الذي ارتكبه الكاتب المعاصر وهو بصدد بيان العقيدة الإسلامية ، إذ لو كان فعل العبد معلوماً للّه ومكتوباً في اللوح المحفوظ وقد شاء اللّه فعله وخلقه ، فكيف يكون للعبد اختيار وقدرة بهما يوجد الفعل؟ وهل الفعل بعد علمه تعالى وكتابته ، ومشيئته وخلقه يكون محتاجاً إلى شيء آخر حتّى يكون لاختيار العبد وقدرته دور في ذلك المجال؟ « هل قرية وراء عبادان »؟؟!
فكما أنّه لا يكون للعباد دور في خلق السماوات والأرض بعد ما تعلّق به علمه سبحانه وكتبه في لوحه ، وشاء وجوده ، وخلقه ، فهكذا أفعال عباده بعد ما وقعت في إطار هذه المجالات الأربعة. وبالجملة فعندما تحقّق الخلق من اللّه لا تكون هناك أية حالة انتظارية في تكوّن الفعل ووجوده. فلا معنى لأن يكون للعبد بعد خلقه سبحانه دور أو تأثير. وأمّا مسألة « الكسب » الذي أضافه إمام الأشاعرة إلى « الخلق » فعده سبحانه خالقاً والعبد كاسباً ، فسيوافيك أنّه ليس للكسب مع معقول بعد تمامية الخلقة ، فتربص حتى حين.
صراع بين الوجدان وظواهر الأحاديثلا شكّ أنّ كلّ إنسان يجد من صميم ذاته أنّ له قدرة واختياراً ولا يحتاج في إثباته إلى الاستدلال بالآيات والروايات كما ارتكبه الكاتب وهذا شيء لا يمكن لأحد إنكاره ، ولذلك صحّ التكليف وحسن بعث الأنبياء وعليه يدور فلك الحياة في المجتمع الإنساني.
والقدر بالمعنى الذي تصرح به الأحاديث لا يجتمع مع اختيار العبد وقدرته ، فلو صحّ القدر بالمعنى المعروف بين أهل الحديث لم يكن مناص في
[١] سورة التوبة : الاية ٤٦.
[٢] « عقيدة أهل السنّة والجماعة » بقلم محمد صالح العثيمين من منشورات الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة : ص ٢٧ ـ ٢٩.