بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٨ - عن نظرية الاختيار
الأرْضِ ) [١]. وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة.
وإذا كان الأمر مفروغاً منه ، فكيف يقول : ( لَيْسَ عَلَيالأعْمَى حَرَجٌ ولا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ ) [٢] وكيف ابتلى العباد فعاقبهم على فعلهم؟ وكيف يقول : ( إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيَل إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) [٣] وكيف يقول : ( قَدَّرَ فَهَدَى ) [٤] ولم يقل قدّر فأضل ، وكيف يصحّ أنّه خلقهم للرّحمة والعبادة بقوله : ( فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَالنّاسَ عَلَيْها ) [٥] وقوله : ( فَطَركُمْ أَوّّلَ مَرَّة ) [٦] وقوله : ( إِلاّمَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) [٧] فإذا خلقهم لذلك ، فكيف يصحّ أن لا يجعل لهم سبيلاً ، ويقرهم على السعادة والشقاء على ما يذكرون.
وكيف يبتلي إبليس بالسجود لآدم ، فإذا عصى يقول له ( فَاهْبِطْ مِنها ) [٨] ويجعله شيطاناً رجيماً؟ وكيف يقول : ( فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ) [٩] وكيف يحذر آدم عداوته. إن كان الأمر مفروغاً منه على ما تقولون؟
وقال في الرسالة : واعلم أيّها الأمير ما أقول : إنّ اللّه تعالى لم يخف عليه بقضائه شيء ، ولم يزدد علماً بالتجربة ، بل هو عالم بما هو كائن وما لم يكن ، ولذلك قال : ( ولَوْ بَسَطَالّلهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا ) [١٠] ، ( ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً ) [١١] فعلم سبحانه أنّه خلق خلقاً من ملائكة وجن وإنس ، وأنّه يبتليهم قبل أن يخلقهم ، وعلم ما يفعلون كما قدّر أقواتهم ، وقدّر ثواب أهل
[١] سورة هود : الاية ١١٦.
[٢] سورة النور : الاية ٦١.
[٣] سورة الإنسان : الاية ٣.
[٤] سورة الأعلى : الاية ٣.
[٥] سورة الروم : الاية ٣٠.
[٦] سورة الإسراء : الاية ٥١.
[٧] سورة هود : الاية ١١٩.
[٨] سورة الأعراف : الاية ١٣.
[٩] سورة الأعراف : الاية ١٣.
[١٠] سورة الشورى : الاية ٢٧.
[١١] سورة الزخرف : الاية ٣٣.