بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤ - الاتجاهات الحزبيةُ والتعصّبات القبلية
وفي كلمة قصيرة عن الإمام عليهالسلام ، قال : « واعجباه تكون الخلافة بالصحابة ، ولا تكون بالصحابة والقرابة ».
قال الرضي ، وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو :
|
فإن كنت بالشورى ملكت أُمورهم |
|
فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ |
|
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم |
|
فغيرك أولى بالنبي وأقرب [١] |
وبتلك المعايير وإلمبررات تمت البيعة للخليفة ، والكلّ أشبه بالمكافحات الحزبية أو القبلية التي لا تمت إلى الإسلام وأهله بصلة.
فعند ذلك أخذ هؤلاء المهاجرون بزمام الحكم واحداً بعد واحد إلى أن تربّع ثالث القوم عثمان بن عفان على منصة الحكم فحدثت في زمانه حوادث مؤلمة وبدع كثيرة أدّت إلى الفتك به والإجهاز عليه.
غير أنّ عليّاً صلوات اللّه عليه وبني هاشم وعدّة من المهاجرين والبدريين وعدّة من أكابر الأنصار تمسّكوا بالنصّ النبوي وبقوا على ما فارقهم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عليه ، كما أنّ رئيس الأنصار الخزرجيين وداعميه لم يبايعوا أبا بكر ولا عليّاً.
هذا تحليل تكوّن أوّل تفرّق حدث في الإسلام; فجعل الأُمّة فرقتين : فرقة تشايع الخلفاء ، وفرقة تشايع عليّاً عليهالسلام إلى اليوم الحاضر.
والذين شايعوا عليّاً عليهالسلام وتابعوه لم يكن ذلك منهم إلاّتمسكاً بالدين مذعنين بأنّ النبي صلىاللهعليهوآله قد نصّ عليه من دون أن يكون هناك اندفاع حزبي أو علاقة شخصية أو قبلية ، بل تسليماً لقوله سبحانه : ( وَما كانَ لِمُؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرهِمْ ). [٢]
وأمّا غيرهم فقد عرفت المعايير التي استندوا إليها في تقديمهم على غيرهم ، فالكلّ معايير قبلية أو شخصية.
[١] نهج البلاغة ، طبعة عبده ، قسم الحكم ، الرقم١٩٠. وفي المطبوع تحريف ، والصحيح ما أثبتناه في المتن.
[٢] الأحزاب : الآية ٣٦.