بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٤ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
للأعمال الصالحة فقط ، وأهل الشقاء ميّسرون للأعمال الطالحة فقط.
وهذه المرويات في الصحاح والمسانيد ـ وقد تقدّم بعضها ـ [١] لا تفترق عن الجبر وهي تناقض الأُصول المسلّمة العقلية والنقلية وحاشا رسول اللّه وخيرة أصحابه أن ينبسوا بها ببنت شفة وإنّما حيكت على منوال عقيدة السلطة ، وعند ذلك لا تعجب ممّا يقوله أحمد بن حنبل في رسائله :
القدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومرّه ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيّئه وأوّله وآخره من اللّه. قضاء قضاه ، وقدر قدّره ، لا يعدو أحد منهم مشيئة اللّه ولا يجاوز قضاءه ، بل كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له ، واقعون فيما قدر عليهم لأفعالهم وهو عدل منه عزّ ربّنا وجلّ. والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللّه والمعاصي كلّها بقضاء وقدر. [٢]
وقد سرى الجهل إلى أكثر المستشرقين فاستنتجوا من هذه النصوص أنّ الإسلام مبني على القول بالجبر وفي ذلك يقول « ايرفنج » ـ من أعلام الكتاب في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر ـ : القاعدة السادسة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية ، وقد أقام محمد جلّ اعتماده على هذه القاعدة لنجاج شؤونه الحربية ، وهذا المذهب الذي يقرر أنّ الناس غير قادرين بإرادتهم الحرة على اجتناب الخطيئة أو النجاة من العقاب ، ويعتبره بعض المسلمين منافياً لعدل اللّه ، فقد تكونت عدّة فرق جاهدت وهم لا يعتبرون من أهل السنّة. [٣]
هذا غيض من فيض ممّا يمكن أن يذكر حول القول بالقدر وسيوافيك توضيحه والمضاعفات الناجمة عنه عند البحث عن عقيدة الأشاعرة.
إنّ هنا كلمة للشيخ « محمد الغزالي » المعاصر حول القدر والجبر يعرب
[١] لاحظ ص ١٤٤ ـ ١٤٧ من هذا الجزء.
[٢] طبقات الحنابلة : ج ١ص ١٥ بتصرّف يسير ، وقد تقدّم نصّ الرسالة.
[٣] حياة محمد لمحمد حسين هيكل : ص ٥٤٩.