بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩ - افتراق الأُمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة
عدّة من تنبّوئه في موسوعتنا : مفاهيم القرآن. [١]
وربما يريد الكاتب من عبارته معنى آخر ، وهو أنّ النبي صلىاللهعليهوآله لا يصح له أن يقدم على مثل هذا التنبّؤ ، لأنّه إقدام غير مرغوب فيه ، لما يحتوي على الإضرار بالأُمّة ، ولكن هذا الرأي منقوض أيضاً بتنبّؤات أُخرى تضاهي المورد هذا ، فهذا هو النبي صلىاللهعليهوآله يتنبّأ بالمستقبل المظلم الذي يواجهه ذو الخويصرة من وجوه الخوارج الذي أتي النبي صلىاللهعليهوآله وهو يقسمالغنائم بعد منصرفهم من حنين فقال للنبي صلىاللهعليهوآله : يا رسولاللّه اعدل ، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : « ويلك من يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل » ، فقال عمر بن الخطاب : يا رسول اللّه ائذن لي فيه أن أضرب عنقه؟ قال : « دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يرمق السهم من الرميّة ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ». [٢]
فأي فرق بين هذا التنبّؤ ونظائره الواردة في أحاديث النبي صلىاللهعليهوآله ، والتنبّؤ بافتراق أُمّته إلى الفرق المعدودة؟
وأمّا دليله الثالث ، فعجيب جداً ، فقد رواه أبو داود ( ٢٠٢ ـ ٢٧٥ ) في سننه ، والترمذي ( ٢٠٩ ـ ٢٧٩ ) في صحيحه ، وابن ماجة ( ٢١٨ ـ ٢٧٦ ) في سننه ، وأحمد بن حنبل ( ٢٤١ ) في مسنده ، والجميع من أعيان أصحاب الحديث في القرن الثالث ، فكيف يقول هذا الكاتب : « بل ولا الثالث الهجري »؟! وإليك بعض ما أسندوه :
١ ـ روى أبو داود في كتاب السنة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه : افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرّقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ».
ثمّ روى عن معاوية بن أبي سفيان أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قام فينا فقال : « ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ،
[١] مفاهيم القرآن : ج ٣ص ٥٠٣ ـ ٥٠٨.
[٢] التاج ، كتاب الفتن : ج ٥ص ٢٨٦.