بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٠ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
لقد اتّخذ الأمويون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيّئة ، وكانوا ينسبون وضعهم الراهن بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر ، قال أبو هلال العسكري : إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها. [١]
ولأجل ذلك لمّا سألت أُمّ المؤمنين عائشة ، معاوية عن سبب تنصيب ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين فأجابها : إن أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم. [٢]
وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّه بن عمر عندما استفسر من معاوية عن تنصيبه يزيد بقوله : إنّي أُحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم. [٣]
وقد كانت الحكومة الأموية الجائرة متحمّسة على تثبيت هذه الفكرة في المجتمع الإسلامي ، وكانت تواجه المخالف بالشتم والضرب والإبعاد.
قال الدكتور أحمد محمود صبحى في كتابه « نظرية الإمامة » : إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب ، ولكن ب آيديولوجية تمس العقيدة في الصميم ، ولقد كان يعلن في الناس أنّ الخلافة بينه وبين علي عليهالسلام قد احتكما فيها إلى اللّه فقضى اللّه له على علي ، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة في أمرهم ، وهكذا كاد أن يستقر في أذهان المسلمين ، أنّ كلّ ما يأمر به الخليفة ـ حتى ولو كانت طاعة اللّه في خلافه ـ فهو قضاء من اللّه قد قدّر على العباد. [٤]
[١] الأوائل : ج ٢ص ١٢٥.
[٢] الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ج١ص١٦٧.
[٣] الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ج١ص١٧١.
[٤] نظرية الإمامة : ص ٣٣٤.