بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٥ - الإيمان بالقدر خيره وشرّه
أمّا كون أفعال العباد متعلّقة لمشيئته سبحانه ، فهناك من ينكر ذلك ويقول : إنّ التقدير يختص بما يجري في الكون من حوادث كونية ممّا يتعلّق به تدبيره سبحانه ، وأمّا أفعال العباد فليست متعلّقة بالتقدير والمشيئة ، بل هي خارجة عن إطارهما ، والحافز إلى ذاك التخصيص هو التحفّظ على الاختيار ونفي الجبر ، فهذا القول يعترف بالقدر ولكن لا في أفعال العباد بل في غيرها.
يلاحظ عليه : أنَّّ الظاهر من الآيات أنّ فعل العباد تتعلّق به مشيئة اللّه ، وأنّه لولا مشيئته سبحانه لما تمكن من الفعل. يقول الراغب : لولا أنّ الأُمور كلّها موقوفة على مشيئة اللّه وأنّ أفعالنا معلّقة بها وموقوفة عليها لما أجمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا نحو ( سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرينَ ) ، ( سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللّهُ صابِراً ) ، ( يَأِتْيكُمْ بِهِ الّلهُ إن شاء ) ، ( ادخُلُوا مِصْرَ إن شاءَ اللّهُ ) ، ( قُلْ لا أملِكُ لِنَفْسِي َنْفْعاً ولا ضَرّاً إلاّ ما شاءَ اللّهُ ) ، ( وَما يكونُ لَنا أنْ نعودَ فِيها إلاّأن يشاءَ اللّهُ ربُّنا ) ، ( ولا تَقُولَنَّ لِشَيء إنّي فاعِلٌ ذلِكَ غداً * إلاّ أن يشاءَ اللّهُ ). [١]
وهناك آيات أُخر لم يذكرها « الراغب » :
١ ـ قوله سبحانه : ( ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أو ترَكْتُمُوها قائِمَةً عَلَى أُصُولِها فبإذنِ اللّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقين ). [٢]
فالإذن هنا بمعنى المشيئة وما ذكر من القطع والإبقاء من باب المثال.
٢ ـ قوله سبحانه : ( إن هُوَ إلاّ ذِكْرٌ لِلعالَمِين* لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَسْتَقِيم* وما تَشاؤُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ ربُّ العَالَمِينَ ). [٣]
٣ ـ قوله سبحانه : ( إنَّ هَذِهِ تَذْكِرةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخذَ إلى ربّهِ سَبِيلاً *
[١] المفردات : ص ٢٧١.
[٢] سورة الحشر : الاية ٥.
[٣] سورة التكوير : الاية ٢٧ ـ ٢٩.