بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧١ - في الرد على القدرية
حسبه ضلالة. قد تبيّنت الأُمور وثبتت الحجة وانقطع العذر » فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى.
٤ ـ وإنّكم ذكرتم أنّه بلغكم أنّي أقول : إنّ اللّه قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون ، فأنكرتم ذلك عليّ وقلتم : إنّه ليس يكون ذلك من اللّه في علم حتى يكون ذلك من الخلق عملاً.
٥ ـ فكيف ذاك كما قلتم؟! واللّه يقول : ( إِنّا كاشِفُوا العَذابِ قَليلاً إِنَّكُمْ عائِدُون ) [١] يعني العائدين في الكفر وقال : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُون ). [٢]
٦ ـ فزعمتم بجهلكم في قول اللّه : ( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر ) [٣] أنّ المشيئة في أي ذلك أحببتم ، إليكم من ضلالة أو هدى.
٧ ـ واللّه يقول : ( وَما تَشاءُونَ إِلاّأَنْ يَشاء اللّهُ ربُّ العالمينَ ) [٤] ، فبمشيئة اللّه لهم شاءوا ، لو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً ، قولاً ولا عملاً ، لأنّ اللّه لم يملّك العباد ما بيده ولم يفوّض إليهم ما يمنعه من رسله. فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً ، فما اهتدى منهم إلاّمن هداه اللّه; ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً ، فما ضلّ منهم إلاّمن كان في علم اللّه ضالاً.
٨ ـ وزعمتم بجهلكم أنّ علم اللّه ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ولا بالذي يصدّهم عمّا تركوا من طاعته ، ولكنّه بزعمكم كما علم أنّهم سيعملون بمعصيته ، كذلك علم أنّهم سيستطيعون تركها.
٩ ـ فجعلتم علم اللّه لغواً ، تقولون : لو شاء العبد لعمل بطاعة اللّه وإن كان في علم اللّه أنّه غير عامل بها ، ولو شاء ترك معصيته وإن كان في علم
[١] سورة الدخان : الاية ١٥.
[٢] سورة الأنعام : الاية ٢٨.
[٣] سورة الكهف : الاية ٢٩.
[٤] سورة التكوير : الاية ٢٩.