بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٢ - في الرد على القدرية
الله أنّه غير تارك لها ، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علماً ، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلاً ، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علماً ليس في علم اللّه ، وقطعتم به علم اللّه عنكم ، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضاً ، وكان يقول : « إنّ اللّه لم يجعل فضله ورحمته هملاً بغير قسم ولا احتظار ، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه » فأنتم تقرّون بالعلم في أمر وتنقضونه في آخر ، واللّه يقول : ( ... يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيديهِمْ وَما خَلفَهُمْ وَلا يُحيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ ... ). [١] فالخلق صائرون إلى علم اللّه ونازلون عليه وليس بينه شيء هو كائن حجاب يحجبه عنه ولا يحول دونه ، إنّه عليم حكيم.
١٠ ـ وقلتم : لو شاء لم يعذب بعمل.
١١ ـ بغير ما أخبر اللّه في كتابه عن قوم ( وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُون ) [٢] وأنّه سيمتعهم قليلاً ( ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذَابٌ ألِيمٌ ) [٣] ، فأخبر أنّهم عاملون قبل أن يعملوا وأخبر أنّه معذّبهم قبل أن يخلقوا.
١٢ ـ وتقولون أنتم إنّهم لو شاءوا خرجوا من علم اللّه في عذابهم إلى ما لم يعلم من رحمته لهم.
١٣ ـ ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب اللّه بالرد. ولقد سمّى اللّه رجالاً من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه ، فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييراً ، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً ، فقال : ( وَاذْكُر عِبادَنا إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيدِي وَالأَبصار* إِنّا أَخلَصْناهُمْ بِخالِصة ذِكرى الدّار ) [٤] فاللّه أعزّ في قدرته وأمنع من أن يملك أحداً إبطال علمه في شيء من ذلك ، فهو المسمّي لهم بوحيه الذي ( لا يَأْتيهِ
[١] سورة البقرة : الاية ٢٥٥.
[٢] سورة المؤمنون : الاية ٦٣.
[٣] سورة هود : الاية ٤٨.
[٤] سورة ص : الاية ٤٥ ـ ٤٦.