بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٨ - نظرة في كتب أهل الحديث
تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُولهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ ). [١]
إنّ للحديث النبوي من جلالة الشأن وعلو القدر مالا يختلف فيه اثنان ، ولا يحتاج في إثباته إلى برهان. إذ هي الدعامة الثانية ـ بعد الذكر الحكيم ـ للدين والأخلاق ، والحكم والآداب ، ممّا يتمتع به المسلمون في دينهم ودنياهم.
وهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة ، تقتضي مزيد العناية بها ودراستها بأحسن الأساليب العلمية والمنطقية ، حتى يتميّز الصحيح من الزائف ولا ينسب إليه كلّ ما يحمل اسم الحديث والسنّة ، أو كلّ ما يوجد في بطون الكتب وضمائر الأسفار ، معقولاً كان أو غير معقول ، مخالفاً كان للقرآن أو لا.
إنّ قوله صلىاللهعليهوآله : « من كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار » إخطار أكيد للواعين بأنّ أعداء الدين لبالمرصاد وسوف ينسبون إليه كلّ مغسول من البلاغة ، وعار عن الفصاحة وينقلون منه كلّ معنى ثقيل على الفطرة ، أو مضاد للعقل السليم ، الذي به عرفناه سبحانه وعرفنا براهين رسالة رسوله.
وقد دق رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بكلامه هذا جرس الإنذار للأُمّة لا سيما للوعاة منهم وحفاظ أحاديثه حتى لا يظنوا أنّ كلّ ما يصل إليهم باسم الحديث هو الحديث النبوي على حقيقته ، بألفاظه ومعانيه ، وليس قبول كلّ حديث ـ ولو كان فيه ما فيه ـ آية التسليم للّه وللرسول ، وآية عدم التقدّم عليهما في ميادين الأُصول والفروع.
ويتضح ذلك أشد الوضوح إذا وقفت على ما تلوناه عليك من أنّ الحديث النبوي رزيء بالموضوعات التي تولّى كبرها أعداء الدين والإسلام أوّلاً ، وتجرة الحديث ثانياً ، يضعون الأحاديث تزلّفاً إلى الحكام وتقرّباً منهم.
هذا هو أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول اللّه مع أنّه لم يصاحب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ سنتين أو أقلّ منهما جاء بروايات فيها
[١] سورة الحجرات : الآية ١.