بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٨ - المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه
أفهل يجتمع هذا الأمر مع النهي عن تدوينه؟!
ثمّ إنّنا نرى أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بعث كتب إلى الملوك والساسة والأُمراء والسلاطين وشيوخ القبائل ورؤسائها ناهز عددها ثلاثمائة كتاب في طريق الدعوة والتبليغ أو حول العهود والمواثيق وقد حفظ التاريخ متون هذه الرسائل التي جمع بعضها نخبة مع المحقّقين في كتب خاصة. [١]
والتاريخ يصرح بأنّ الرسول صلىاللهعليهوآله كان يملي والكاتب يكتب ، فلما ازدادت الحاجة وكثرت العلاقات الاجتماعية أصبحت الحاجة إلى كتّاب يمارسون عملهم ، فأدّى ذلك إلى كثرة الكتّاب فجعل لكلّ عمل كاتباً ، ولكلّ كاتب راتباً معيناً. وقد كان أكثرهم كتابة ، علي بن أبي طالب صلوات وسلامه عليه ، فقد كان يكتب الوحي وغيره من العهود والمصالحات ، وقد أنهى المؤرخون كتّابه صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى سبعة عشر كاتباً.
فهل يجوز أن يكتب الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم هذه المكاتبات والعهود والمصالحات إلى بطون القبائل ورؤساء العشائر وهو يعلم أنّهم يحتفظون بهذه المكاتبات بحجّة أنّها من أوثق الوثائق السياسية والدينية ، ثمّ ينهى عن تسطير كلامه وحديثه؟! فما هذان إلاّنقيضان لا يجتمعان.
الغايات السياسة والأهداف الدينيةومع ذلك كلّه فقد غلبت الغايات السياسية على الأهداف الدينية وقامت بكلّ قوة أمام حديث النبي ونشره وكتابته ، حتّى إنّ الخليفة أبا بكر أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم [٢].
و لمّا قام عمر بعده بالخلافة نهى عن كتابة الحديث وكتب إلى الآفاق : أنّ من كتب حديثاً فليمحه. [٣]
ثمّ نهى عن التحدّث ، فتركت عدّة من الصحابة الحديث
[١] « كالوثائق السياسية » لمحمد حميد اللّه ، و « مكاتيب الرسول » للعلاّمة الأحمدي.
[٢] كنز العمال : ج ١٠ص٢٣٧و ٢٣٩.
[٣] مسند أحمد : ج٣ص ١٢و ١٤.