ينابيع المودة لذو القربى - القندوزي، سليمان بن ابراهيم - الصفحة ٤٤٦ - الباب الحادي و الخمسون في بيان علوّ همة علي عليه السّلام و زهده في الدنيا
لأهله بها خادما.
و لقد كان يعمل عمل رجل كأنّه ينظر الى الجنّة و النار، و لقد أعتق ألف مملوك من ماله الذي يجفى فيه يداه، و يعرق فيه جبينه، التماس وجه اللّه (عزّ و جلّ) و رضائه.
و كان علي بن الحسين عليهما السّلام قد جهد في العبادة ما لا يفعله بعده أحد، فدخل ابنه أبو جعفر محمد الباقر عليهما السّلام فرآه قد اصفرّ لونه من السهر و الجوع، و عمصت عيناه من البكاء، و صارت جبهته كركبة البعير، و انخرم أنفه من كثرة السجود، و ورمت ساقاه و قدماه من طول القيام في الصلاة، فيقول الباقر عليه السّلام:
لم أملك نفسي حين رأيته بتلك الحال، فبكيت رحمة عليه، و إذا هو يفكّر، فالتفت إليّ بعد حينة من دخولي فقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة جدّي أمير المؤمنين عليه السّلام، فأعطيته، فقرأ فيها شيئا يسيرا ثم تركها من يده تضجرا و قال: من يطيق عبادته.
و قال الصادق: و إذا أتى بيت المال جمع المستحقين ثم ضرب يده بالمال و يقول:
يا صفرا و يا بيضا غرّي غيري، غرّي غيري، فلا يخرج حتى يفرق المال و يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، ثم يأمر أن يرشّ الماء فيه و يكنسه، ثم يصلّي فيه ركعتين، ثم يقول: يا دنيا أ بي تتعرضين؟أم إليّ تتشوّقين؟فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك.
[١٣] في فصل الخطاب: في مسند أحمد: قال علي (كرّم اللّه وجهه) :
لقد رأيتني إنّي لأربط الحجر على بطني من الجوع، و إنّ صدقتي تبلغ اليوم
[١٣] مسند أحمد ١/١٥٩.