منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٣ - المعنى
قال: فما حقيقة ايمانكم؟ قالوا: الرّضا بقضاء اللّه و التسليم لأمر اللّه و التفويض إلى اللّه، فقال رسول اللّه ٦: علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء فان كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، و لا تجمعوا ما لا تأكلون، و اتّقوا اللّه الّذي إليه ترجعون.
إذا عرفت ذلك فأقول: استعاره قوله: قد لبس للحكمة جنّتها الظاهر أنه أراد بجنّة الحكمة مخافة اللّه كما أنّ النبيّ جعلها رأسها في رواية الخصال المتقدّمة، فاستعار لفظ الجنّة لها باعتبار أنّ مخافته سبحانه و وجود وصف التّقوى الموجب لقمع النفس عن الشهوات و قلعها عن العلايق و الامنيات مانع عن كون الحكمة غرضا عن الهام الهوى و عن وقوع الحكيم في الهلاكة و الرّدى، كما أنّ الجنّة و هو ما يستتر به السّلاح كالدّرع و نحوه مانعة للابسها عن اصابة سهام الأعداء.
فيكون محصّل المعنى أنّ ذلك الحكيم قد اتّصف بمخافة اللّه سبحانه و خشيته التي هي بمنزلة الجنّة للحكمة لأجل حفظ حكمته و كونها وقاية لها عما يصادمها كما أنّ الجنّة تحفظ الانسان عن صدمات الأعداء.
و بما ذكرنا يظهر ما في كلام الشارح البحراني، فانّه قال: لفظ الجنّة مستعار في الاستعداد للحكمة بالزهد و العبادة الحقيقين و المواظبة على العمل بأوامر اللّه، و وجه الاستعارة أنّ بذلك الاستعداد يأمن إصابة سهام الهوى و ثوران دواعى الشهوات القائدة إلى النار كما يأمن لابس الجنّة من أذى الضرب و الجرح، انتهى فانّ مفاده كما ترى هو أنّ لفظ الجنّة مستعار للاستعداد الحاصل من الزهد و العبادة و المواظبة على التكاليف الشرعيّة.
فيتوجّه عليه حينئذ أوّلا أنّ الاستعداد المذكور لا يكون جنّة للحكمة على ما ذكره، إنّما يكون جنّة للانسان من الوقوع في النار، و ظاهر كلام الامام يفيد تلبسه بجنّة الحكمة لأجل الحكمة لا لأجل نفسه.
و ثانيا أنّ الاستعداد و التهيّوء للشيء قبل وجود الشيء، فلو جعل الجنّة استعارة للاستعداد للحكمة لكان مفاد كلامه ٧ عدم اتّصاف الرّجل الموصوف