منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٧ - المعنى
تشبيه (و أنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم) شبّههم بأبناء السبيل تنبيها على أنّ كونهم في هذه الدّار بالعرض و أنّ وطنهم الأصلي هو الدّار الاخرة و أنهم مسافرون إليها.
(و) قوله (قد أوذنتم منها بالارتحال و أمرتم فيها بالزاد) قد تقدّم في شرح المختار الثالث و الستّين و غيره توضيح معنى الفقرة الأولى، و مرّ غير مرّة أنّ المراد بالزاد الّذي أمروا بأخذها هو التقوى قال عزّ و جلّ وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى و الغرض من هاتين الفقرتين و سابقتهما التنفير عن الدّنيا و الترغيب إلى الأخرى و تنبيه المخاطبين من نوم الغفلة و الجهالة و إرشادهم إلى الاستعداد و تهيئة الزاد لسلوك مسالك الاخرة.
و بيان ذلك بلسان الرمز و الاشارة أنّ للّه تعالى عالمين: عالم الدّنيا و عالم الاخرة و نشأتين: الغيب و الشهادة و الملك الملكوت، و أنّ الناس في مبدء تكوّنهم مخلوقون من موادّ العالم الأسفل و لهم الارتقاء بحسب الفطرة الأولى الّتي فطر الناس عليها إلى جوار اللّه سبحانه قاله سبحانه برحمته و عنايته، خلق الأنبياء و بعثهم ليكونوا هداة الخلق إلى معادهم و قوادهم في السفر إليه و سابقوهم إلى منازلهم، كرؤساء القوافل و أنزل الكتب ليعلّمهم و يبيّن لهم كيفيّة السفر و الارتحال و أخذ الزاد و الراحلة و تعريف الأحوال عند الوصول إلى منازلهم في الاخرة.
و الخلق ما داموا في الدّنيا و لم يصلوا إلى أوطانهم الأصليّة، فهم في الظلمات على حالات متفاوتة مختلفة، فمنهم نائمون، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، الدّنيا منام و العيش فيها كالأحلام، و منهم موتى لقوله تعالى أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ.
فمن مات عن هذه الحياة المجازية الموسومة باللّعب و اللّهو كما قال تعالى إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ^ فقد انتبه عن نوم الغفلة و حىّ بالحياة الأبديّة.
فانّ الموت على ضربين أحدهما الارادى المشار إليه بقوله ٧: موتوا قبل أن تموتوا، و الاخر الطبيعي و إليه الاشارة بقوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ.