منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٦ - الفصل الثالث في الوصية بما لا يزال يوصى به و الاشارة إلى أحكام البغاة
فقال: اصبر فانّ اللّه سيجعل لك فرجا قال: ثمّ سكت ساعة ثمّ أقبل على الرجل فقال: أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟ فقال: أصلحك اللّه ضيّق منتن و أهله بأسوء حال، قال ٧: فانّما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة أما علمت أنّ الدّنيا سجن المؤمن، إلى غير هذه ممّا لا نطيل بذكرها.
فان قلت: ما معنى قوله في الحديث الأوّل الصّبر من الايمان بمنزلة الرّأس من الجسد؟
قلت: لما كان قوام الجسد و تمامه و كماله إنّما هو بالرأس و به يتمّ تصرّفاته و يتمكّن من الاثار المترتّبة عليه لا جرم شبّه ٧ الصّبر بالرّأس و الايمان بالجسد لأنّ كمال الايمان و تمامه إنما هو به، أمّا على القول بأنّ الايمان عبارة عن مجموع العقائد الحقّة و الأعمال فواضح، و أمّا على القول بأنّ العمل ليس جزء منه بل هو شرط الكمال فلأنّ الجسد إنّما يكمل بالرأس كما أنه يوجد بوجوه، فوجه الشّبه هو وصف الكمال فقط و لا يجب في تشبيه شيء بشيء وجود جميع أوصاف المشبّه به في المشبّه.
و لكنّ الظاهر من قوله: كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الايمان هو كون العمل هو جزء من الايمان المستلزم ذهابه لذهابه الّا أن يراد منه الايمان بالكمال و قد تقدّم تحقيق الكلام فيه فيما سبق.
و مما ذكرنا أيضا ظهر وجه ما روى عن النبيّ ٦ من أنّ الصبر نصف الايمان و ذلك لأنّ الايمان إذا كان عبارة عن مجموع المعارف اليقينيّة الحقّة و عن العمل بمقتضى تلك المعارف، فيكون حينئذ مركبا منهما، و معلوم أنّ العمل أعنى المواظبة على الطاعات و الكفّ عن المعاصي لا يحصل إلّا بالصبر على مشاقّ الطاعة لليقين بكونها نافعة، و ترك لذائذ المعصية لليقين بكونها ضارّة فعلى هذا الاعتبار يصحّ كونه نصف الايمان.
و ذكر الغزالي له وجها آخر محصّله أن يجعل المراد من الايمان الأحوال المشمئزة للأعمال و جميع ما يلاقي العبد ينقسم إلى ما ينفعه في الدّنيا و الاخرة أو يضرّه فيهما، و له بالاضافة إلى ما يضرّه حال الصبر، و بالاضافة إلى ما ينفعه حال الشكر، فيكون الصبر أحد شطرى الايمان كما أنّ الشكر شطره الاخر و لذلك