منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٦ - المعنى
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فالبدو و الرّجوع متقابلان قال تعالى كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ فالعدم الخاصّ الأوّل للانسان هو الجنّة الّتي كان فيها أبونا آدم ٧ و أمّنا حوّا، و الوجود بعد العدم هو الهبوط منها إلى الدّنيا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً و العدم الثاني من هذا الوجود هو الفناء في التّوحيد، و الأوّل هو النزول و الهبوط، و الثاني هو العروج و الصّعود، و البداية النزول عن الكمال إلى النقص، و النهاية المعاد من النقصان إلى الكمال و اليه الاشارة بقوله ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي هذا.
و لما أمر ٧ بالمبادرة إلى المعاد و المسابقة إلى الاجال علّله بقوله (فانّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل و يرهقهم الأجل) يعني أنه تقريب انقطاع آمالهم الخادعة و مفاجاة آجالهم المستورة (و) أن (يسدّ عنهم باب) الانابة و (التوبة) و من كان هذا شأنه فلا بدّ أن يتّقى ربّه و ينصح نفسه و يقدّم توبته و يغلب شهوته و يستغفر من خطيئته و يستقيل من معصيته، فانّ أجله مستور عنه و أمله خادع له، و الشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها و يمّنيه التوبة ليسوّفها حتّى يهجم منيته عليه أغفل ما يكون عليها.
(فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم) أى أصبحتم في حال الحياة و الصحّة و سلامة المشاعر و القوى و البنية و ساير الأسباب الّتي يتمنّى من كان قبلكم الرجعة إليها لتدارك ما فات و اصلاح الزلّات و الهفوات، و قال: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ، و لكنّهم قد حيل بينهم و بين ما يشتهون و قيل كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
فالان و الخناق مهمل، و الروح مرسل، في راحة الأجساد، و باحة الاحتشاد و انتظار التوبة، و انفساح الحوبة، لا بدّ من اغتنام الفرصة و الانابة من الخطيئة قبل الضنك و الضيق، و الرّوع و الزهوق، و قبل أن يروع من الرّجعة و يعظم الحسرة