منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٧ - المعنى
فقد علم بذلك أنّه لا يقدّر بالحدود و النهايات الجسمانيّة كما أنه لا يقدّر و لا يحدّ بالحدّ العقلى المركّب من الجنس و الفصل و أما التأكيد فعلى أن يراد بالوهم في الجملة الأولى المعنى الأعمّ من القوّة الوهميّة المتعلّقة بالمحسوسات جميعا و القوّة العقليّة المتعلّقة بالمعقولات و اطلاق الوهم على ذلك المعنى شايع في الاستعمال وارد فى كثير من الأخبار.
قال بعض المحققين: اعلم أنّ جوهر الوهم بعينه هو جوهر العقل و مدركاته بعينه هو مدركات العقل، و الفرق بينهما بالقصور و الكمال، فما دامت القوّة العقليّة ناقصة كانت ذات علاقة بالموادّ الحسيّة منتكسة النظر إليها لا تدرك المعاني إلّا متعلّقة بالموادّ مضافة إليها، و ربما تذعن لأحكام الحسّ لضعفها و غلبة الحواسّ و المحسوسات عليها، فتحكم على غير المحسوس حكمها على المحسوس، فما دامت في هذا المقام اطلق عليها اسم الوهم، فاذا استقام و قوى صار الوهم عقلا و خلص عن الزيغ و الضلال و الافة و الوبال، انتهى.
و على ذلك فيكون المقصود بالفهم في الجملة الثانية المعنى الأعمّ أيضا، و يكون حاصل المراد بالجملتين عجز الأوهام أى القوّة الوهميّة و العقليّة جميعا عن إدراك ذاته و تعقّل حقيقته، لأنّ تعقّله إمّا بحصول صورة مساوية لذاته تعالى، أو بحضور ذاته المقدّسة و شهود حقيقته، و الأوّل محال إذ لا مثل لذاته و كلّ ما له مثل أو صورة مساوية له فهو ذو ماهيّة كلّية و هو تعالى لا ماهيّة له، و الثاني محال أيضا إذ كلّ ما سواه من العقول و النفوس و الذّوات و الهويّات فوجوده منقهر تحت جلاله و عظمته و سلطانه القهار عين الخفاش في مشهد نور الشمس، فلا يمكن للعقول لقصورها عن درجة الكمال الواجبى إدراك ذاته على وجه الاكتناه و الاحاطة بنعوت جلاله و صفات جماله.
فاتّضح من ذلك كلّه أنّه سبحانه لا يدرك بالأوهام، و لا يقدّر بالأفهام جلّ شأنه و عظم سلطانه.
(و) الثالث أنّه (لا يشغله سائل) عن سائل آخر كما يشغل السائل من المخلوق