منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٧ - الفصل الثالث في الوصية بما لا يزال يوصى به و الاشارة إلى أحكام البغاة
روى عن النبيّ ٦ مرفوعا الايمان نصفان: نصف صبر، و نصف شكر.
ثم ان الصبر تختلف أساميه باختلاف موارده و بالاضافة إلى ما يصبر عنه من مشتهيات الطبع و مقتضيات الهوى، و ما يصبر عليه مما ينفرّ عنه الطبع من المكاره و الاذي.
فان كان صبرا عن شهوة الفرج و البطن، سمّي عفة، و إن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصّبر و تضادّه حالة تسمى الجزع، و إن كان في احتمال الغنى سمّى ضبط النفس و يضادّه البطر، و إن كان في حرب و مقاتلة سمّى شجاعة و يضادّه الجبن و إن كان في كظم الغيظ و الغضب سمّى حلما و يضادّه التذمّر و السفه و إن كان في نائبة من نوائب الزّمان سمّى سعة الصّدر و يضادّه الضجر و ضيق الصّدر، و إن كان في إخفاء كلام سمّى كتمان السرّ و إن كان عن فضول العيش سمّى زهدا، و يضادّه الحرص و إن كان على قدر يسير من الحظوظ سمّى قناعة و يضادّه الشّره.
و بالجملة فأكثر مكارم الايمان داخل في الصّبر و لأجل ذلك لمّا سئل النبيّ ٦ مرّة عن الايمان فقال: هو الصّبر لأنه اكثر أعماله و أعزّها هذا.
و أما أقسامه فقد فصّلها أبو حامد الغزالي في كتاب احياء العلوم و ملخّصها أنّ جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين أحدهما هو الّذي يوافق هواه و الاخر هو الّذي يخالفه، و هو محتاج إلى الصبر في كلّ منهما فهو إذا لا يستغنى قطّ عن الصّبر.
النوع الاول ما يوافق الهوى و هو الصّحة و السلامة و المال و الجاه و كثرة العشيرة و اتساع الاسباب و كثرة الأتباع و الأنصار و جميع ملاذّ الدّنيا و ما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الامور فانه إن لم يضبط نفسه عن الرّكون إليها و الانهماك في ملاذّها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر و الطغيان، فانّ الانسان ليطغى أن رآه استغنى.
النوع الثاني ما لا يوافق الهوى و هو على ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات و المعاصي، و إمّا أن لا يرتبط باختياره كالالام و المصائب و إمّا أن لا يرتبط باختياره و لكن له اختيار في إزالته كالتشفّى من المؤذي بالانتقام منه.
أما القسم الاول و هو ما يرتبط باختيار العبد فعلى ضربين.
الضرب الأول الطاعات و العبد يحتاج إلى الصبر عليها، و التحمّل عن مشاقّها