منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١١ - لطيفة
ثمّ قال: ليس يشكّ أحد من الناس أنّ رسول اللّه ٦ كان عاقلا كامل العقل أمّا المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم، و أمّا اليهود و النصارى و الفلاسفة فيزعمون أنّه حكيم تامّ الحكمة سديد الرّأى أقام ملّة و شرع شريعة فاستجد ملكا عظيما بعقله و تدبيره، و هذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب و غرايزهم و طلبهم بالثارات و الذّحول[١] و لو بعد الأزمان المتطاولة، و كان يقتل الرّجل من القبيلة رجلا من بيت آخر، فلا يزال أهل ذلك المقتول و أقاربه يتطلّبون القاتل ليقتلوه حتى يدركوا ثارهم منه، فان لم يظفروا به قتلوا بعض أقاربه و أهله فان لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة و إن لم يكونوا رهطه الأدنين، و الاسلام لم يحل طبائعهم و لا غيّر هذه السجيّة المركوزة في أخلاقهم و الغرايز بحالها.
فكيف يتوهّم لبيب أنّ هذا العاقل وتر العرب و على الخصوص قريشا و ساعده على سفك الدّماء و إزهاق الأنفس و تقلّد الضغائن ابن عمّه الأدنى و صهره و هو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس و يتركه بعده و عنده ابنته ولد منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره حنوا عليهما و محبّة لهما، و يعدل عنه في الأمر بعده و لا ينصّ عليه و لا يستخلفه، فيحقن دمه و دم بنيه و أهله باستخلافه.
ألا يعلم هذا العاقل الكامل أنّه إذا تركه و ترك بنيه و أهله سوقة رعيّة فقد عرض دماءهم للاراقة بعده، بل يكون هو الّذي قتله و أشاط بدمائهم، لأنّهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم، و إنّما يكونون مضغة للاكل و فريسة للمفترس يتخطّفهم النّاس و يبلغ فيهم الأغراض.
فأمّا إذا جعل السّلطان فيهم و الأمر اليهم فانّه يكون قد عصمهم و حقن دماءهم بالرّياسة الّتي يصولون بها، و يرتدع النّاس عنهم لأجلها، و مثل هذا معلوم بالتّجربة.
ألا ترى أنّ ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل النّاس و وترهم و أبقي في
[١] الذحل: الثار أو طلب مكافاة بجناية جنيت عليك أو عداوة اتيت اليك، أو هو العداوة و الحقد، جمعه اذحال و ذحول. ق.