منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٤ - الفصل الرابع في التنبيه على وجوب شكر النعم
البارّ و هو قوله (و أيم اللّه ما كان قوم قطّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلّا بذنوب اجترحوها) على أنّ زوال النعمة الطريّة و رغيد العيش عن العباد ليس سببه إلّا كفران النعم و الذّنوب الّتي اكتسبوها كما قال عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، و ذلك لأنهم لو استحقّوا مع الكفران و اكتساب الاثام لافاضة النعماء لكان منعهم منها منعا للمستحقّ المستعدّ و ذلك عين الظلم و هو محال على اللّه سبحانه (لأنّ اللّه ليس بظلّام للعبيد) فعلم من ذلك أنّ سبب زوال النعمة و حصول النقمة ليس إلّا الذّنوب المكتسبة هذا.
و لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه ٧ محمول على الغالب و إن كان ظاهره العموم، و ذلك لأنّ كثيرا من العباد يبدّل اللّه نعمتهم بالنقمة و رخائهم بالشدّة و منحتهم بالمحنة من باب الابتلاء و الامتحان إعلاء للدّرجات و إحباطا للسّيئات و إضعافا للحسنات كما قال عزّ من قائل: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ الاية.
و لمّا نبّه على أنّ علّة زوال النعمة و نزول النقمة اكتساب المعصية أرشدهم إلى طريق تداركها بقوله (و لو أنّ الناس حين تنزل بهم النقم و تزول عنهم النعم فزعوا إلى ربّهم) و تضرّعوا إليه سبحانه (بصدق من نيّاتهم) أى باخلاصها و إخلائها من شوب العجب و الرّيا (و وله من قلوبهم) أى بتحيّر منها في محبّته سبحانه و لذّة مناجاته و تفريغ ساحتها عن كلّ ما سواه تعالى (لردّ عليهم كلّ شارد) من النعم (و أصلح لهم كلّ فاسد) من الأمور.
ثمّ تخلص إلى تعريض المخاطبين بالاشارة إلى بعض حالاتهم الغير المحمودة التي كانوا عليها حثا لهم على الارتداع عنها فقال: (و إنّى لاخشى عليكم أن تكونوا في فترة) أى في حالة فترة مثل حالة أهل الجاهليّة الّذين كانوا على فترة من الرّسل أى أخاف عليكم أن تكونوا مثل هؤلاء في التعصّبات الباطلة بحسب الأهواء المختلفة و غلبة الجهل و الضّلال على الأكثرين (و قد كانت أمور مضت) و هو تخليفهم للفساق و تقديم أجلاف العرب الثلاثة عليه و أتباعهم بهم.