منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٤ - المعنى
على ذلك إنّما هو للاخرة قال اللّه تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ فتأمّل.
و لما نبّه ٧ على عدم ابتلاء حرثة القرآن أمر بحرثه بقوله (فكونوا من حرثته و أتباعه) و أردفه بقوله (و استدلوه على ربكم) أى اجعلوه دليلا عليه سبحانه و قائدا إليه تعالى لاشتماله على جميع صفات الجمال و الجلال و أوصاف الكبرياء و العظمة و الكمال (و استنصحوه على أنفسكم) أى اتّخذوه ناصحا لكم رادعا لأنفسكم الأمّارة عن السّوء و الفحشاء و المنكر لتضمّنه الايات الناهية المحذرة و الوعيدات الزاجرة المنذرة (و اتّهموا عليه آرائكم) أى إذا أدت آرائكم إلى شيء مخالف للقرآن فاجعلوها متّهمة عندكم (و استغشوا فيه أهوائكم).
قال الشارح البحراني: و انما قال هنا استغشوا و في الاراء اتّهموا، لأنّ الهوا هو ميل النفس الأمّارة من غير مراجعة العقل فاذا حكمت النفس عن متابعتها بحكم فهو غشّ صراح، و أمّا الرأى فقد يكون بمراجعة العقل و حكمه و قد يكون بدونه، فجاز ان يكون حقا و جاز أن يكون باطلا فكان بالتهمة أولى.
ثمّ تخلّص من أوصاف القرآن و فضايله إلى الأمر بملازمة الأعمال فقال (العمل العمل) أى لازموا العمل الصّالح و رافبوا عليه (ثمّ النهاية النهاية) أى بعد القيام بالأعمال الصالحة لاحظوا نهايتها و خاتمتها و جدّوا في الوصول إليها (و الاستقامة الاستقامة) و هو أمر بالاستقامة على الجادّة الوسطى من العمل و الثبات على الصراط المستقيم المؤدّى إلى غاية الغايات و أشرف النهايات أعني روضات الجنات (ثمّ الصبر الصّبر و الورع الورع) أى بعد مواظبة الأعمال الصالحة و ملاحظة نهاياتها و الثبات على ما يوصل إليها من الأعمال لا بدّ من الصبر عن المعاصي و الكفّ عن الشّهوات و الورع عن محارم اللّه.
و مما ذكرناه ظهر لك نكتة العطف في ثاني المكرّرات الخمسة و رابعها بثمّ و في ثالثها و خامسها بالواو، توضيح ذلك أنّ النهاية لما كانت متراخية عن العمل عطفها بثمّ، و الاستقامة لما كانت كيفيّة العمل عطفها بالواو، و هذه الثلاثة أعني العمل و النّهاية