منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢٣ - المعنى
مضى هناك أنموذج من وصف الملائكة يتحيّر فيه العقول و يدهش الافهام و يقشعرّ الجلود فكيف إذا أريد البلوغ إلى غاية أوصافهم.
و قوله (في حجرات القدس) أى منازل الطهارة عن العلاقات العنصريّة و مقارّ التنزّه عن تعلّقات النفس الأمّارة.
كنايه و قوله (مرجحنّين) أى خاضعين تحت سلطانه و عظمته و قال العلّامة المجلسي (ره) أى ما يلين إلى جهة التحت خضوعا لجلال البارى عزّ سلطانه، و يحتمل أن يكون كناية عن عظمة شأنهم و ازانة قدرهم أو عن نزولهم وقتا بعد وقت بأمره تعالى.
حالكونهم (متولّهة عقولهم) أى متحيّرة متشتّتة (أن يحدّوا أحسن الخالقين) أى يدركوا حقيقته بحدّ و يعرفوا كنه ذاته سبحانه و هو نظير قوله ٧ في الفصل التاسع من المختار الأوّل: لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير، و لا يجرون عليه صفات المصنوعين، و لا يحدّونه بالأماكن، و لا يشيرون إليه بالنظاير.
و لما نبّه على عجز العقول عن وصف كماله أردفه بالتنبيه على ما يدرك من جهة الوصف فقال (و انما يدرك بالصفات) و يعرف بالكنه (ذوو الهيئات و الأدوات) و الجوارح و الالات الّتي يحيط بها الأفهام، فيدركون و يعرفون من جهتها.
(و) كذا يدرك (من ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفنا) أى من ينقضي و يفنى إذا بلغ غايته، فانه تقف الأفهام عليه و تحلّله إلى أجزائه فتطلع على كنهه، فأمّا اللّه سبحانه فلتنزّهه عن الهيئات و الصّفات الزائدة و وجوب وجوده و عدم امكان تطرّق الفناء و العدم عليه، فيستحيل الاطلاع على كنه ذاته و حقيقة صفاته.
ثمّ عقّب ذلك التنزيه بالتوحيد و قال: مقابلة كنايه (فلا إله إلّا هو أضاء بنوره كلّ ظلام و أظلم بظلمته كلّ نور) لا يخفى حسن المقابلة و التطبيق بين القرينتين.
و النور و الظلام في القرينة الاولى يحتملان المحسوس و غيره، فان اريد به الظلام المحسوس فالمراد إضاءته بأنوار الكواكب و النيرين، و إن اريد به الظلام المعقول أعنى ظلمة الجهل فالمراد إضاءته بأنوار العلم و الشرائع.