الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢١٦ - مناظرته في الزهد
انه اذا قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له، و إن ملك ما بين مشارق الأرض و مغاربها كان خيرا له، و كلّ ما يصنع به فهو خير له، فليت شعري هل يحقّ فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم؟
أ ما علمتم أن اللّه عزّ و جل قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولّي وجهه عنهم، و من ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوّأ [١] مقعده من النار، ثمّ حوّلهم من حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من اللّه عزّ و جل للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة.
أقول: لمّا هاجر المسلمون من مكّة الى المدينة بدء الهجرة كانوا لا يجدون مأوى و لا مطعما، فكان الإيثار من الأنصار أمرا لازما إلى أن يتمّ للمهاجرين ما يحتاجون إليه، و لمّا أن تمّ له ما احتاجوه نسخ الإيثار بالتوسّط في الإنفاق فكان كلام الصادق ٧ عن العشرة بدء الجهاد، و عند ما كثر المسلمون و أحسن منهم الضعف و العجز و نسخه بالرجلين تنظيرا لكلامه الأوّل.
ثمّ قال ٧: و اخبروني أيضا عن القضاة أجورة [٢] هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته اذا قال: إني زاهد و إني لا شيء لي؟ فإن قلتم جورة ظلمتم أهل الاسلام، و إن قلتم بل عدول خصمتم أنفسكم، و حيث يردون صدقة من تصدق على المساكين عند الموت باكثر من الثلث.
أقول: و ذلك فيما اذا أوصى أحد باكثر من ثلث ماله بعد الموت، فإنها لا تمضي الوصيّة إلّا في الثلث دون ما زاد، و قوله «و حيث يردون» أي يرد
[١] هيّأ.
[٢] الهمزة للاستفهام، و الجورة جمع جائر.