الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢١٥ - مناظرته في الزهد
يسألونك و لا يعذرونك، فاذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال.
فهذه أحاديث رسول اللّه ٦ يصدّقها الكتاب، و الكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين، ثمّ من علمتم من بعده في فضله و زهده سلمان رضي اللّه عنه و أبو ذر رضي اللّه عنه فأمّا سلمان فكان اذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنة، حتّى يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد اللّه أنت في زهدك تصنع هذا و أنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا، فكان جوابه أن قال:
مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء، أ ما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث [١] على صاحبها اذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فاذا أحرزت معيشتها اطمأنت.
و أمّا أبو ذر ; فكانت له نويقات و شويهات يحلبها و يذبح منها اذا اشتهى اللحم أو نزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم [٢] فيقسّمه بينهم و يأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم، و من أزهد من هؤلاء؟ و قد قال فيهم رسول اللّه ٦ ما قال، و لم يبلغ من أمرهما أن صار لا يملكان شيئا البتّة، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم و شيئهم و يؤثرون على أنفسهم و عيالاتهم.
و اعلموا أيّها النفر أني سمعت أبي يروي عن آبائه : أن رسول اللّه ٦ قال يوما: ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن
[١] تختلط.
[٢] القرم- محرّكة- شدّة شهوة اللحم.