رسائل شيخ اشراق - شيخ اشراق - الصفحة ١٠٩ - فصل ٣ - في إثبات تجرد النفس
الجرم، و يجوز أن ينتقل عنه، و لا يجتمع[١] فيه ذوا مكان. و يختلف بالجهات. و المحدّد إن[٢] لم يمتلئ من الأجسام فيحصل للعدم الذي هو حشو، مقدار، له نصف و ثلث، و هو محال. أو يفرض مقادير قائمة لا في جسم و هو ممتنع؛ إذ المقدار لو استغنى عن المحلّ ما افتقر من جزئيّات حقيقيّة إليه شيء كما هو ظاهر.
و إلى كريّة المحدّد و ما معه أشير في الكتاب الإلهى، حيث قيل في السّماء: «وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ»[٣]؛ إذ غير الكريّ تلزمه الزاوية و الفرجة.
و هذه الأربعة تحصل من امتزاجها المواليد الثلاث: المعادن و النبات و الحيوان. و قد سمعت في الكتاب[٤] أنّ البارئ تعالى «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ»[٥] أو «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ»[٦] و كونه من الطين يوجب أن يكون من ماء و تراب. و صلصاليّته[٧] صورته للهوائية، و الحمأيّة للنّاريّة.
فصل [٣]- [في إثبات تجرّد النّفس]
(١٧) أنت لا تغيب عن ذاتك، و تغفل عن أعضائك و هيئاتها و جميع أجزاء البدن، فمنها ما شاهدت بقاء المدرك من ذاتك[٨] دونها، مثل اليد و الرّجل و نحوهما، و منها ما لا تعرفها إلّا بمقايسة[٩] أو تشريح، و لا يخطر ببالك إلّا بعد حين. فذاتك معقولة لك دون أجزاء بدنك و هيئاتها. فلو كان شيء منها جزء ذاتك فما عقلت ذاتك دونه، إذ لا يعقل الشيء دون أجزائه[١٠]، فأنت غير هذه الأشياء.
(١٨) مرة أخرى نقول: عقلت الجسم المطلق الواقع بمعنى واحد على أجسام كثيرة مختلفة المقادير و الأوضاع. فلو كانت صورته في جرم أو بعض هيئاته متقرّرة فيه[١١]، لزمها