رسائل شيخ اشراق - شيخ اشراق - الصفحة ١١٠ - فصل ٣ - في إثبات تجرد النفس
وضع خاصّ و مقدار، لضرورة المحلّ، فما طابقت المختلفات فيهما[١]. فلمّا طابقت، فليست بمنطبعة فيه[٢]. فمحلّها[٣] منك ذات، ليست بجرم و لا هيئة فيه، و لا يشار إليها لتبرّئها عن عوالم[٤] الجهات.
(١٩) مرة أخرى نقول: أدركت الواحد المطلق[٥]- و هو شيء ما لا ينقسم أصلا- فلو كانت صورته في جرم[٦] أو هيئة فانقسم بالضرورة لانقسام محلّه. فما كنت عقلت الواحد الغير المنقسم أصلا. فلمّا عقلت فالعاقل منك برىء عن الأبعاد و لوازمها. و سمّاه الحكيم «النّفس النّاطقة»، و الصّوفيّ[٧] «السّر» و «الرّوح» و «الكلمة» و «القلب»؛ فشرح الكلمة أنّها ذات ليست بجرم و لا بجرميّة، قائمة لا في محلّ[٨]، مدركة، لها التصرّف في الجرم.
(٢٠) و الكلمة لا توجد قبل البدن فإنّها إن وجدت قبله فإمّا أن تتكثّر دون مميّز، و هو محال، و لا مميّز قبل البدن من الأفعال و الانفعالات و الإدراكات، و هي من نوع واحد و لازم الحقيقة يتّفق[٩] في أعدادها؛ و إمّا أن تتّحد، فإن كأنت واحدة و دبّرت جميع الأبدان فللجميع أنائيّة واحدة، و كان ما علم واحد معلوما لغيره و كذا مشتهاه، و ليس كذا. و إن انقسمت بعد الوحدة فهي جرميّة، و قد عرفت استحالة هذا[١٠].
و الشواهد ممّا يدلّ[١١] على عدم جرميّة الكلمة من الكتاب قوله تعالى: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً»[١٢] و قوله تعالى: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ»[١٣] و قوله: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ»[١٤] و قوله: «تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ»[١٥] و قوله:
«وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ»[١٦] و قوله: «إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ»[١٧] و قوله: «إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ»[١٨]