رسائل شيخ اشراق - شيخ اشراق - الصفحة ٦١ - قاعدة - في أن الحق الأول لم يزل فاعلا للأشياء و في الحدوث الذاتي و التقدم و التأخر و العلية
فنعرف الحقّ الأوّل و لا نحيط به كما ورد[١] في التنزيل: «وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»[٢] يثنيه قوله:
«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ»[٣] فالحق محتجب بكمال نوريّته و شدة ظهوره.
قاعدة- [في أنّ الحق الأول لم يزل فاعلا للأشياء و في الحدوث الذاتي و التقدم و التأخر و العلية]
(٤٨) إنّ قوما يرون أنّ الحق الأوّل لم يفعل الأشياء في الأزل، ثم شرع ففعل. و حجّتهم أنّه لو دام الصنع مع الصانع لساواه[٤] فلا يكون بينهما فرق.
حجة أخرى قالوا: لو كان العالم دائم الوجود لكان عدد أيّامه و لياليه و بالجملة حوادث العالم غير متناهية.
و قالوا: اليوم آخر[٥] ما مضى، فتناهى[٦] به، فانتهى.
(٤٩) و قوم آخرون و هم الفلاسفة مثل أرسطاطاليس- و هو إمام القوم- و مباحثو المشائين يرون أنّ الحقّ الأوّل لم يزل فاعلا للأشياء و أنّ وجوده دائم معه. و احتجّوا فقالوا:
قد بيّنا أنّ الممكن لا يحصل إلّا بالمرجّح. فإن كان المرجّح و السبب هو ذاته الأول، و ذاته مع أيّ عدد من الصفات يفرض و هو دائم، فيدوم التّرجيح؛ و إن كان هو حاصلا مع جميع ما يفرض صفة له، و لم يحصل الفعل، فهو موقوف على وقت أو شرط أو زوال مانع ممّا يتوقّف عليه الفعل، و قبل جميع الممكنات لا وقت و لا شرط، فإنّهما[٧] من المخلوقات. و ليس في العدم الصريح حال يكون فيه فعل شيء أولى به من حال آخر. و لا يتجدد له إرادة أو قدرة فيريد بعد ما لم يرد، أو يقدر بعد ما لم يقدر. مع أن كل ما يتجدّد هو من جملة الممكنات، و لا يتقدّم على جميع الممكنات إلّا هو، و هو دائم، فالمرجّح هو لا غير فيدوم به الترجيح؛ و أفعالنا إنّما يتخلّف[٨] عن وجودنا لتوقّفها على إرادة أو مادّة أو آلة أو وقت حتّى إذا حضرت
[١] ورد: المثنىM .
[٢] سورة ٢٠( طه) آية ١١٠.
[٣] سورة ٦( الانعام) آية ١٠٣.
[٤] لساواه: لسواهT ، لمساواةA .
[٥] آخر: أحسنA .
[٦] فتناهى: فيتناهىAT .
[٧] فإنّهما: فإنّهاT .
[٨] يتخلف: يختلفT .