القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٩٩ - الخلوة
زكريا حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في (مشرقه) لها في ناحية الدار و قد ضربت بينها و بين أهلها حجابا تتستر به للغسل، إذا أرسل اللّه جبرئيل عليه السّلام[١]، فدخل عليها، فتمثل لها في حواسها أنّه شاب سويّ الخلق، فكان دخول هذا البشر السوي عليها في خلوتها مفاجأة لامرأة عذراء منقطعة إلى اللّه تعالى هزّتها من الأعماق، فقالت: ... إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا[٢] حيث تستنجد باللّه، و تحاول أن تثير في هذا الغريب مشاعر التقوى الذي تمنعه من ارتكاب المعصية و الانسياق مع الشهوات.
فكان جوابه إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا[٣] يبشرك اللّه بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم، و سوف يكون وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين، فتسأله مستنكرة مريم في صراحة المرأة التي تريد أن تدافع عن نفسها و هي في حالة العجب و الاستغراب من فكرة هذا الرسول الإلهي؛ ذلك لأنّ الغلام في نظرها لا يولد إلّا من مس البشر المشروع، و هو الزواج، أو البغيّ غير المشروع قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا[٤] و هنا
[١] - يذكر العلّامة الطباطبائي قرائن من الآيات القرآنية على أنّ المقصود من الروح هنا هو:
جبرئيل، و إنّه ظهر فى حواس مريم عليها السّلام في صورة البشر؛ إذ إنّ القرآن يعبّر عن جبرئيل بالروح المرسل من اللّه تعالى. راجع الميزان ١٤: ٣٥، و نسبة الحديث إلى الملائكة في سورة آل عمران من باب نسبة قول الواحد إلى الجماعة، و هو اسلوب شائع و متبع في القرآن.
[٢] - مريم: ١٨.
[٣] - مريم: ١٩.
[٤] - مريم: ٢٠.