القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ١١٠ - الموضع الخامس عشر الآيات التي جاءت في سورة غافر
الثالث: أنّ القصّة تؤكّد بشكل واضح موقف مؤمن آل فرعون و الأساليب التي استعملها في دعوته لهم، و محاولته ذات الجانب العاطفي في هدايتهم مع تذكيرهم بمصير من سبقهم من الامم، و ما ينتظرهم نتيجة لعنادهم و كفرهم. و قبالة هذا الموقف يظهر لنا موقف فرعون و قد تمادى في غيّه حتى حاول أن يطّلع على إله موسى عليه السّلام.
و على هذا الأساس يمكن أن نستنتج: أنّ القصّة سيقت لتوضيح مصير من يجادل في آيات اللّه، مع إيضاح الفرق بين الاسلوب الذي يستعمله الداعية و الاسلوب الذي يستعمله المجادل و الكافر، و أن العذاب لا ينزل بهؤلاء إلّا بعد أن تتم الحجّة عليهم.
و أنّ الهداية و الحجّة من الوضوح بحيث يمكن أن يقتنع بها حتى اولئك الأشخاص الذين يعيشون في الوسط المتنفذ و المترف- كما هو الحال بالنسبة إلى مؤمن آل فرعون- كما أنّها تؤكّد الدور الذي يجب أن يقوم به الإنسان تجاه هداية الآخرين، و أنّها مسئولية شرعية و إنسانية يتحمّلها كل الناس حتى لو كان من الوسط الضال، كما فعل مؤمن آل فرعون.
و في هذا العرض القرآني للقصة يظهر لنا- أيضا- هذا الامتزاج بين الرحمة و الغفران، و بين النقمة و شدة العذاب: غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ[١] فإنّ اللّه سبحانه يجعل تحت متناول عقول عباده و أنظارهم آياته و أدلته و براهينه، و يتوسل إلى هدايتهم بالوسائل المختلفة التي لا تشل عنصر الاختيار فيهم، كلّ ذلك رحمة منه و فسحة لقبول التوبة و الاستغفار، و لكنّه مع ذلك لا يعجزه شيء عن عقابهم أو القدرة على إنزال العذاب فيهم.
[١] - غافر: ٣.