الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٤٨ - الثامن في الاستعدادات واختلافها وتنوعاتها
والبلادة، والانحراف والاستقامة في سائر الغرائز والخلال.
ومن تلك الاختلافات التي في تراكيبها حصل الاختلاف في الأميال والأشواق والعقول والإرادات إلى أنواع الأعمال والصناعات وأنحاء العلوم والحرف والمهن والأشغال.
فنزع كلٌّ بطبعه إلى عمل أو علم ينفر أو لا يميل إليه الآخر، ويستحسن كلٌّ ما يستقبحه غيره.
وهذا من أعظم مظاهر العنايات الإلهية وأسرار الحكمة الأزلية؛ إذ العناية اقتضت نظام الكون على أحسن ما يمكن، ولو تساوت الاستعدادات والأهواء والأميال والرغبات لاختلّ النظام وارتفع الصلاح العامّ، ولفسد العالم وتلاشى من فيه.
فإنّ بقاءهم طبقة واحدة على حالة واحدة في مرتبة واحدة يخلّ بصالحهم ويذهب براحتهم، بل يأتي على وجودهم ويمحق روح كيانهم، كما هو جلي واضح غني عن الشرح.
مع ما يلزمه من بقاء سائر المراتب في كتم العدم مع إمكانها، فكان حيفاً عليهم وجوراً، لا قسطاً وعدلًا، وبقي الاحتياج في العالم إليها وافتقاره عند عدمها. أترى أنّ السؤال بأنّه: لماذا لم يكن السوقي ملكاً، والجاهل عالماً، والأُمّي كاتباً، والبدوي حاضراً، والجندي أميراً، والأمير وزيراً، والكاسب كاتباً، والزارع حاطباً، وهكذا إلى غير نهاية، هل هذه الأسئلة إلّاكالسؤال بأنّه: لماذا لم يكن البصل زعفراناً، والشوك ورداً، والفحم عسجداً[١]، والكلب أسداً، والحمار
[١] العَسجَد: الذهب.( جمهرة اللغة ٢: ١١٣٦).