الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢٦ - السانحة الخامسة
الغربيّين عدمَ قيام الزعماء في الدعوة على تلك الطريقة الوثيقة، أعني: طريقة الإقناع والإيضاح والتسهيل والإفصاح، إفصاحاً يغرس في النفوس أُصول العقائد، ويكنز في أعماق القلوب بذور الأديان، حتّى ينمو عليها الصغير، ويهرم على طقسها[١] الكبير، وتلتبك[٢] في كلّ إحساس منه وشعور، وتمتلك كلّ عاطفة له ووجدان.
امتُهن الإسلام من عهد غير قريب بدائين عضالين كادا أن يقضيا عليه- وليفعلان إن لم تنهض له رجاله وتطبّ له حماته وتبلسمه ضوامده- امتُهن بإهمال زعمائه سبيل الدعوة والإرشاد وصيحة النصيحة في العباد، وإشراب النفوس البشرية ما في هذا الدين من صوالح السعادتين وتربية النشأتين، وتكفّل الهناء والدعة في الدارين، طالما استمسكت بعراه وسارت على أضواء مناره.
والثاني ما قد زاد المرض علّة والصدى غلّة: أنّ رجال هذا الدين لمّا أهملوا الدعوة وتعامت عليهم سبل التعليم، وتركوا نفوس المسلمين على سذاجتها، وألقوا حبلها على غاربها، ولم يبق من غرائز دينهم سوى ما تلفظ به ألسنتهم وما تسمعه من الآباء والأُمّهات آذانهم، أمّا القلوب فصفر عارية وقفر خالية، لا تسمع فيها للديانة همساً ولا تجد فيها من الحقيقة- لو فتّشت عليها- عيناً ولا أثراً، أصبحت كقلاع أخلتها حاميتها ونام عنها حرّاسها، هنالك استيقظ العدوّ، فرأى فرصة أمكنت وأمراً حان وقته وأينعت ثماره وحلّ ميعاد حصاده، فهجم بجيوش شبهاته وجنود تشكيكاته، فبثّ المنذرين والمبشّرين والدعاة
[١] الطَقس: الطريقة.( المنجد في اللغة ٤٦٨).
[٢] اللبك: الخلط.( لسان العرب ١٢: ٢٢٦).