الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١١٩ - السانحة الثانية
إنّ سلسلة هذا الكون التي لا أعلم متى كان أوّلها ومتى ينتهي آخرها ما أثبت لنا فيها العلم والتاريخ- إن صحّ- سوى أفراد نادرة تكون على الحال التي وصفت من الشرف الذاتي والكمال الغريزي، وقد قضت النواميس المتنفّذة في الأكوان واستمرّ مريرها على ربط المسبّبات بأسبابها، والوصول إلى الغايات من مبادئها، والتكلّة على الصدفة ضلال، والطفرة إلّابالإعجاز محال.
وقصاراي من هذه السانحة: أنّ أقصى منازع الإنسان هو تحصيل الشرف، وأقصى غايات الشرف هو نيل الحياة السعيدة التي ليس لها انتهاء ولا تشوبها شيّة شقاء، وأنّ مبادئ هذا الشرف وأسبابه هو ما يقدّمه الساعي لنفسه من المآثر التي تعود بنفعٍ ما على أُمّته وأبناء ملّته، فتخلّد- فيما بينهم- ذكره الجميل.
إنّ الأثر الجميل الذي سيخلّفه فيما بينهم لا محالة سيعود عليه بما هو أجمل وأهنى.. سيعود مضاعفاً عليه من كلّ فرد منهم دائماً بدوام الانتفاع به واصلًا إليه في أيّ وادٍ درج وفي سلّم أيّ سماءٍ عرج، و: «الجزاء من جنس العمل»[١]، وما: «جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ»[٢].
فكثرة الصلاة والصوم والتسبيح وأضرابها من العبادات النفسية وإن كان لكلٍّ فضل، ولكن ليست من الشرف في شيء، فإنّ كيلها موزون وقسطها معلوم ينقطع ولا يدوم، فاحتفظ على هذا وتدبّره، وقف به على حدوده ولا تتطرّف فيه.
[١] قارن: المقاصد الحسنة ١٧٣، الشذرة ١: ٢٣٣، كشف الخفاء ١: ٣٩٧، النوافح العطرة ١١٥، أسنى المطالب ١٧٨.
[٢] سورة الرحمن ٥٥: ٦٠.