الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٧٩ - مباحث الجبر والاختيار
وبين ما نحن فيه إن شاء اللَّه.
وهي: أنّ أكابر العرفاء قد ذكروا: أنّ للعبد في منتهى سيره وسلوكه مقاماً شامخاً ومعراجاً باذخاً، وهو مقام الفناء في اللَّه.
وذاك على وجهه المعقول أن تفنى جميع إرادات العبد وخواطره وأمياله وشهواته في إرادة اللَّه (تعالى)، وتموت كلّ جارحة منه وعزيمة في أوامره (تعالى) وعزائمه دون رُخَصِه وإباحاته، إلّاإذا عرضت لها جهة رجحان من غير ذاتها من تشريع أو تعليم أو غير ذلك[١].
وعلى الخلاصة: يصل العبد إلى حيث لا يبقى له خاطر من نفسه ولا إرادة من قبل ذاته، بل يكون- وللَّه المثل الأعلى- كالآلة في يد ذيها والسفينة في قبضة مجريها، بل متعالياً إلى ما هو أجلّ وأعلى، فيكون العبد- وتعالى اللَّه عن الأدوات والجوارح- عينه الناظرة وأُذنه الواعية ويده الباسطة، بل ينعكس على ما في حديثه القدسي (تقدّست آلاؤه): «فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر، ويده التي بها يبطش»[٢].
وليس هذا من الجبر بشيء، بل من الاستهلاك في الجبروتية والفناء في التوحيد والأحدية، ولكن هو أشبه شيء به.
[١] قارن: شرح فصوص الحكم للغراب ١٤٧، شرح القاساني على فصوص الحكم ١٥٢- ١٥٣، الحكمة المتعالية ٦: ٣٧٧- ٣٧٨.
[٢] انظر: المحاسن للبرقي ٢٩١، صحيح البخاري ٥: ٢٣٨٥، مسند أبي يعلى ١٢: ٥٢٠، السنن الكبرى للبيهقي ٣: ٣٤٦ و ١٠: ٢١٩، الزهد للبيهقي ٢٦٩، شرح السنّة للبغوي ٣: ٢٩٩، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ١: ٢٠٢، مجمع الزوائد ١٠: ٢٦٩- ٢٧٠، إرشاد الساري ٩: ٢٨٩، الأحاديث القدسية ٧٥، بأدنى تفاوت.
ولاحظ شرح هذا الحديث القدسي في شرح الإتحافات السنية ١٦٠ و ١٩٢.